الاهداف الاستراتيجية والرؤية الامنية الايرانية من طوفان الاقصى

تستمر حالة التوازن السياسي بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني وتتخذ أبعاد ميدانية ترسم ملامح العلاقة المستقبلية بين البلدين وتعطي أهمية للدور الإقليمي الإيراني القادم بعد الانتهاء من عملية طوفان الأقصى والتي كانت كاشفة للكثير من العلاقات الدولية والمواقف السياسية والادعاءات والتصريحات الكاذبة التي أخذت مداها الواسع وتأثيراتها التي ما أنفكت أن اتضحت بعد العمليات العسكرية في قطاع غزة وأصبحت الحقيقية واضحة وجلية أمام أنظار الجميع وبدأ المتنافسون يبدون حقيقة أوضاعهم وطموحاتهم وغاياتهم بالحفاظ على مكاسبهم وتأثيراتهم في المنطقة، ومن هؤلاء كان النظام الإيراني الذي أبتدع فكرة مواجهة الكيان الإسرائيلي ومحاربته وضرب مواقعه وتحطيم مشروعه الاستيطاني وان يكون لديه حصة في الصراع العربي الإسرائيلي وهذا ما كشفته نتائج المعركة التي دارت رحاها في غزة والتي أفصحت عن حقيقة المواقف وطبيعة العلاقات وأوجه المصالح وعدم مبدئية الموقف الذي ادعته طهران وتغليب المنافع الإيرانية على الحقوق الفلسطينية.

 

سعت طهران إلى نمط جديد في العلاقات الدولية قامت على سياسة دبلوماسية أسمتها ب(الطاقة النشطة) والتي انتهجتها حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي التي تؤكد أن واشنطن وأوروبا هي في أمس الحاجة إلى الطاقة النفطية التي تمتلكها إيران وان الأوضاع السائدة بعد المواجهة بين أوكرانيا وروسيا أعطت للطاقة من الغاز والنفط أهمية بالغة بعد العقوبات التي فرضتها على القيادة الروسية، وسبق لإيران أن امتنعت عن التعامل بأولوية واضحة للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة ولكن تغيير المواقف كان حاضراً بعد الاخفاقات الاقتصادية وسوء الحالة الاجتماعية التي عصفت بالمجتمع الإيراني وابتعاد إيران عن سياسية دفع الأثمان وأنها وضعت مصلحة بقاء النظام كمعيار أساسي في إعادة علاقتها مع دول الجوار العربي وتوطيد حالة الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر اللقاءات والوساطات العربية والأوربية والتي نجحت في عقد صفقة تبادل السجناء والتي كانت أحدى ثمار حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي وساهم في إقناع الجمهور الإيراني بالقبول بحل توافقي في العلاقة مع الإدارة الأمريكية وإقناعه بأن إيران قد تمكنت من الحصول على جزء كبير من مطالبها من خلال النهج المشرف والدبلوماسية الناجحة النشطة والتي استطاعت من رفع جزئي للحصار الإقتصادي واستلام بعض من الأموال المجمدة لصالح النظام.

 

بدأت إيران تركز على نقاط رئيسية وأصبحت منهج عملي لها في علاقتها الدولية والإقليمية وبدأت تُشعر الآخرين أن على واشنطن قبول الشروط الإيرانية بعد موافقة طهران على الالتزام بدور إقليمي لا يتعارض والمصالح الأمريكية والتواجد العسكري في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي ضمن سياسة الحوار والدبلوماسية التي أتبعتها إدارة الرئيس جو بايدن مبتعدة عن الدور الإقليمي للمشروع السياسي الإيراني وتطوير البرنامج الصاروخي وزيادة كفاءة الطائرات المسيرة والنهج التوسعي والنفوذ السياسي لإيران في المنطقة، ولهذا فهي طالبت واشنطن والدول الأوربية الراعية للاتفاق النووي بأن يتم تخفيف العقوبات ومنح الضمانات الأمريكية والتي من شأنها أن لا تلحق اضراراً قادمة لإيران لقاء عقد إتفاق نووي جديد يضمن مصالح جميع الأطراف، وأنها ترى أن عدم التوصل لأتفاق افضل من أتفاق سئ، وهذه النظرة الإيرانية أملتها الظروف التي نشأت بعد الأحداث الدامية والمجازر الدموية التي طالت أبناء غزة.

 

حديث المرشد الأعلى علي خامنئي بأن إيران ستواصل تقديم دعمها السياسي والمعنوي للحركة دون التدخل العسكري المباشر يأتي في وقت تستمر اللقاءات بين مسؤولين في النظام الإيراني والإدارة الأمريكية في العاصمة السويسرية ( جنيف) أثناء العمليات العسكرية في قطاع غزة، وتلقيهم رسالة من الإدارة الأمريكية بعدم التدخل العسكري في القطاع وإيقاف التعرضات على المواقع والقواعد الأمريكية في سوريا والعراق وتمدد حزب الله اللبناني في الجبهة الشمالية، مقابل حصول إيران على مكافأت ودور إقليمي في المنطقة وهذا ما حصل بتاريخ 15 تشرين ثاني 2003 بموافقة واشنطن على التمديد للعراق اربعة أشهر أضافية استثناء من عقوبات التعامل مع إيران واستيراد الغاز الطبيعي وحصول طهران على موارد مالية ومبالغ بالعملة الصعبة بقيمة ( 4_5) مليار دولار.

 

وتزامن مع هذه المكافأة الأمريكية صرح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان وبنفس التاريخ أعلاه ( أن فصائل المقاومة الفلسطينية مستعدة لإنهاء هجماتها المضادة إذا توقفت الإبادة الجماعية في غزة) وتواصل بقوله ( أن إيران غير مسؤولة عن الهجمات التي تشنها الفصائل ضد مواقع القوات الامريكية في سوريا والعراق)، وهي محاولة إيرانية لتأكيد دورها في تسيد الموقف ومدى تأثيراتها بأطراف الأحداث وتواصلاً مع النهج السياسي في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

إن العقلية السياسية الإيرانية تتحكم فيها الرؤية الأمنية المخاوف المستقبلية أكثر من الأهداف الاستراتيجية، ولهذا فهي تسعى الى تعزيز مكانة نظامها السياسي والمحافظة عليه واستخدام سياسة المهادنة والتوافق لتحقيق غايتها وأهدافها وخوفها من اتساع مساحة الرفض الشعبي لسياستها الداخلية والخارجية ومحاولتها العمل باتجاه نجاح الانتخابات الإيرانية التشريعية القادمة في أذار 2024 وحشد الاعداد الكبيرة للمشاركة فيها والخوف من عزوف الجمهور الإيراني عن صناديق الاقتراع.

 

يبقى التخادم السياسي عنوان بارز للعلاقة بين واشنطن وطهران وفق أسس ومعايير تقودها الإدارة الأمريكية التي تسعى للعودة مرة أخرى لمنطقة الشرق الأوسط بإمكانيات عسكرية وأمنية وبخطط استراتيجية جديدة تؤكد قول قائد الجناح الجوي الأمريكي في قاعدة على السالم بالكويت والتي يتمركز فيها 2000 جندي أمريكي بقوله ( لن نغادر منطقة الشرق الأوسط وأن جنودنا في القاعدة لردع الإرهاب وملتزمون بالدفاع عن المنطقة وتعزيز أمنها).

 

وحدة الدراسات الايرانية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

الاستراتيجيةالاهدافالايرانيةطوفان الاقصى