التحول الديمقراطي في العراق: من التمثيل الى الاستثمار!

يحيى الكبيسي

 

عيدا عن السؤال الجوهري عن إمكانية التحول الديمقراطي، بشكل قسري، من نظام شمولي، عبر الحامل الكولونيالي في دولة ذات اقتصاد ريعي، وعبر قوى وفاعلين سياسيين غير ديمقراطيين من الأساس، مكنهم طرف خارجي من السلطة، وأصبحوا محصنين لا يخضعون للمساءلة أو المحاسبة ويستندون في وجودهم إلى ميليشيات مسلحة، أو علاقات نفوذ قبل حديثة (دينية او عشائرية) أو عبر استخدام أدوات السلطة والاستثمار في المال العام.

 

ومن المفارقة أن هؤلاء هم من يفترض بهم قيادة مرحلة التحول الديمقراطي. فالتحول الديمقراطي من الأعلى إلى الأسفل، إنما يقرره هؤلاء الفاعلون، وليس البنى الاجتماعية أو الاقتصادية!

 

ما يعنينا هنا هو طبيعة «التسويات» التي حكمت مسار التحول الديمقراطي المفترض في العراق، ليس بين الفئة الحاكمة والجمهور لتحديد طبيعة القواعد الجديدة للحكم التي ستشكل قطيعة مع الاستبداد، بل بين الفاعل الكولونيالي (وهم هنا الأمريكيون) والفاعلين المحليين لضمان نجاح التعاون بينهما لغرض الحفاظ على الوضع القائم. وأهم هذه التسويات كان تحويل المؤسسات التي تضطلع بدور جوهري في التحول الديمقراطي إلى إقطاعيات خالصة للفاعلين السياسيين المهيمنين، أو إلى ممثليات لهم. وتحويل النظام الانتخابي من التنافسية الانتخابية القائمة على مشاركة الجمهور الفعلية في اللعبة الديمقراطية، مع ما يستتبع ذلك من رقابة ومحاسبة، إلى علاقة زبائنية بين العراب والمرشح والناخب، محكومة بأدوات السلطة من جهة، وبالمال السياسي الناتج عن الاستثمار في المال العام من جهة أخرى، ومن خلال ضمان التزوير عبر قانون الانتخابات نفسه، وعبر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي تحولت إلى ممثلية للفاعلين السياسيين/ الأحزاب (لا وجود لأحزاب حقيقية في العراق، بل لفاعلين سياسيين/ دينيين تحيط بهم مجموعة من المريدين تسمى أحزاب مجازا)!

 

وبدلا من ان يقود مسار التحول الديمقراطي، كما يقول دانكورت روستو أحد أهم منظري التحول الديمقراطي، إلى صياغة عقد يحقق الوحدة الوطنية لضمان هوية سياسية مشتركة بين المواطنين كافة، فقد تكرس مسار هوياتي ديني وقومي ومذهبي عماده الصراع لا الإجماع، فيما الديمقراطية تشترط «حدودا ثابتة ومواطنة مستمرة»! وإذا كان الحامل الكولونيالي قد جعل الخيار الديمقراطي قسريا وليس خيارا ذاتيا، وبالتالي لم يكن ثمة «مرحلة تحضيرية» لم يكن هناك قرار أخلاقي/ سياسي اتخذه الفاعلون السياسيون في اتجاه ضمان قواعد لعبة ديمقراطية حقيقية، بل اتُفق على قواعد لعبة لا أخلاقية تتيح لهؤلاء الفاعلين «ضمان» استمراريتهم ومصالحهم. وبدلا من «التعود» على قواعد اللعبة الديمقراطية، تواطأ الجميع على نموذج زبائني شديد الابتذال والتهافت.

 

وكانت النتيجة الأبرز في هذا السياق هو تحول مفهوم الانتخابات من تنافس متكافئ على التمثيل، إلى تنافس على الوصول إلى الموارد والاستثمار في المال العام. فلم يعد العرابون/ أصحاب الدكاكين الحزبية ينظرون إلى المرشح للانتخابات إلا من موشور قدرته على الفوز، بعيدا عن أية معاير أخرى، حتى الأخلاقية منها! ولم يعد المرشح يختار «العراب» الذي سيحمله إلى المقعد التمثيلي، سواء في الانتخابات المحلية او البرلمانية، إلاّ من خلال ما يوفره له من دعم مالي مباشر أو غير مباشر، وقدرته على إيصاله إلى أدوات السلطة المادية (استخدام مؤسسات الدولة لمصلحته، والقدرة على تحصينه ضد أي إجراء رسمي) وأخيرا مدى تأثيره على مفوضية الانتخابات والقضاء لضمان التزوير. وقد شبهت هذا المشهد في مقال سابق بعمال التراحيل في رواية يوسف إدريس «الحرام» فنحن أمام نموذج مرشحي «تراحيل» يتنقلون من حزب إلى آخر، ومن ممول إلى ممول، للوصول إلى الصفقة الأكثر ربحا، تماما كما يتعاملون مع أي سوق شعبي غير مرخّص! ونحن أيضا أمام نموذج لعرابي السياسة لا يعنيهم، في النهاية، سوى الحصول على أكبر عدد من المقاعد لضمان أكثر استثمار ممكن في المال العام.

 

على مدى الانتخابات المحلية الثلاثة السابقة (2005 و 2009 و 2013) والانتخابات البرلمانية الخمسة السابقة (2005 و 2010 و 2014 و 2018 و 2021) كان مسار التحول الديمقراطي مقلوبا تماما، فبدلا من أن تسهم هذه الانتخابات في الوصول إلى «استقرار الديمقراطية» فاقمت الانحراف التام عن مسار التحول الديمقراطي لصالح زعامات دينية وسياسية، ولغرض إنتاج نظام كليبتوقراطي/ لصوصي على المستوى الأفقي للسلطة، وبنية زبائنية عامودية عميقة. واتجهت الأمور نحو مسار سلطوي مقنن، يحول من يتولى السلطات الرسمية، والموظفين العموميين إلى عرابين، ويحول مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاصة بهم!

 

المعضلة الأكبر في هذا المسار المقلوب للتحول الديمقراطي المفترض في العراق، تكمن في الغياب الكامل لأي نظام للرقابة أو المحاسبة. وغياب الوعي المجتمعي في هذا السياق، فضلا عن غياب منظمات مجتمع مدني فاعلة، وأحزاب حقيقية معنية بالمصلحة العامة، وسلطات أو مؤسسات رسمية يمكنها القيام بهذا الدور. فمجلس النواب والهيئات المستقلة مثل النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والمفوضية العليا لحقوق الإنسان، والسلطة القضائية بجناحيها (المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى) هم جميهم شركاء أصلاء في تواطؤ جماعي، وفي نكوص مسار التحول الديمقراطي!

 

إن مراجعة سريعة لطبيعة القوانين المتعلقة بالحقوق والحريات التي يتم تشريعها على سبيل المثال، أو مشاريع القوانين المقترحة، وتكييف القوانين عبر القضاء، وإساءة استخدامها، يثبت أن الحرية النسبية التي تمتع بها العراقيون بعد العام 2003 لم تكن نتاج إيمان حقيقي بالحريات والفكر الديمقراطي، وإنما كانت نتاج ضعف السلطة/ الدولة التي كانت في طور التشكل، وربما بسبب وجود الفاعل الأمريكي أيضا (نتذكر كيف تعاملت سلطة الائتلاف المؤقتة بحزم مع قرار عبد العزيز الحكيم رئيس مجلس الحكم الدوري بشأن قانون الأحوال الشخصية عام 2004) وأن مسار القمع والتقييد ومصادرة الحقوق الحريات صار موازيا للمسار المقلوب للتحول الديمقراطي!

 

لقد تحولت العملية الانتخابية في العراق إلى مزاد مفتوح، وتحول مفهوم التمثيل إلى مجرد استثمار شخصي في المال العام، وتحولت السلطة إلى مجرد وسيلة للوصول إلى الموارد، لذلك فإن الحديث عن الديمقراطية في العراق، مهما كان شكل الصندوق الانتخابي أو لونه، هو محض خرافة!

الاستثمارالديمقراطيالعراق