رحيل الكاتبة ابتسام عبد الله يُحدث فجوة في الساحة الثقافية العراقية

من الصعب جدا ان نضع وصفا ابداعيا محددا لابتسام عبد الله، فهي كاتبة القصة والروائية والمترجمة والصحفية ومقدمة اشهر برنامج في تلفزيون العراق (سيرة وذكريات) الذي كان يجمع العراقيين امام الشاشات، وقبل كل هذا وذاك، هي الانسانة الهادئة والطيبة والانيقة والمعلمة لجيل من الصحفيين.
ومن المحزن للغاية ان نرثي المبدعة ابتسام عبد الله التي رحلت في بغداد اليوم، دون مقدمات مخلفة آثار الفاجعة في نفوس طلبتها وقرائها ومتابعيها، وأحدث فجوة في الساحة الثقافية العراقية، خاصة وانها كانت قد انسحبت من الحياة الاجتماعية بعد رحيل رفيق حياتها ومسيرتها، زوجها الكاتب والصحفي أمير الحلو، في الاول من آذار 2015، وكان آخر ظهور لها في ربيع 2016 خلال امسية ثقافية اقيمت في صالة أوج بغداد بادارة ابنتها الاعلامية مينا الحلو، مديرة متحف الاعلام العراقي حاليا.
ولدت ابتسام عبد الله في كركوك عام 1945، ولكنها عاشت معظم حياتها في بغداد، وتنقلت بحكم عمل والدها العسكري بين الموصل وكركوك، وتلقت دراستها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية ثم دخلت معهد المعلمين العالي ببغداد، قسم اللغة الانكليزية، وتخرجت منه عام 1964 لتعمل في المؤسسة العامة للصحافة سنة 1968، وتولت مسؤولية قسم المتابعة كما انتقلت للعمل في تلفزيون العراق وشغلت مناصب مهمة وتدرجت من مترجمة إلى رئيسة قسم الأخبار والترجمة
ومسؤولة عن قسم الأفلام، وكانت دؤوبة في عملها الذي يتطلب متابعة جادة وترجمة للأفلام الأجنبية التي كان يعرضها تلفزيون العراق.
أول ظهور لها على شاشة التلفزيون كان عام 1964 في برنامج (نافذة على العالم) الذي كان يتيح للمشاهدين فرصة للاطلة على الاخبار المصورة في الدنيا، و(مجلة المرأة) ثم انشغلت باعداد وتقديم البرنامج الذي اقترن باسمها (سيرة وذكريات) حيث كانت تستضيف شخصيات ثقافية وفكرية وفنية عراقية وغير عراقية لسرد سيرتهم الذاتية باسلوب محبب وبعيد عن الرتابة بفضل تحضيرها المتميز لسيرة من تلتقي بهم والاسئلة التي تفاجئهم بها، وايضا باسلوب تقديمها السلس والهادء مع ابتسامتها التي عرفت بها دائما، حتى انها صارت احد اعضاء اية عائلة عراقية تتابعها، والبرنامج ، كان احد ركائز تلفزيون العراق، مثل (الرياضة في اسبوع) الذي كان يعده ويقدمه مؤيد البدري، و(العلم للجميع) من اعداد وتقديم كامل الدباغ، وكل من شاهدها في هذا البرنامج ما زالت ذاكرته الصورية تحتفظ به.
تقول في حديث صحفي، اجراه عيسى الصباغ، نشر في ملحق صحيفة (المدى)، متحدثة عن تجربتها في التلفزيون: “قدمت في مسيرتي عدداً من البرامج التلفزيونية، إعداداً وتقديماً، مثل (مجلة المرأة) وبرنامج (حوار وشخصيات) ثم توجتها ببرنامج (سيرة وذكريات). البرنامج الأول ارتبط باسمي أعواماً طويلة ثم فيما بعد حل بدلاً منه برنامج (سيرة وذكريات) وقد واصلت تقديم هذا البرنامج لمدة سبعة أعوام وضيّفت فيه عشرات الأسماء والشخصيات البارزة والمهمة في مختلف ميادين العمل. لقد أحب الناس هذا البرنامج مع أنه كان جاداً ويستغرق ساعة تقريباً وقد حاولت فيه توثيق سيرة وذكريات أولئك الذين قدّموا خدمات جليلة ورفدوا المجتمع بخلاصة جهدهم ومثابرتهم وعصارة أفكارهم.”
في بداية السبعينيات انتقلت للعمل كمترجمة ومحررة وكاتبة في اهم صحيفة عراقية (جريدة الجمهورية)، إذ كانت هذه الجريدة تعد كأبرز مدرسة مهنية في الصحافة العراقية وضمت اسماء كبار الكتاب والصحفيين والمصورين والفنانين. وفي منتصف السبعينيات، عندما كنت في سنواتي الجامعية الاولى باكاديمية الفنون الجميلة، واعمل كمحرر حر في (جريدة الجمهورية)، كان من الصعب ان ابدأ، مثل غيري من الصحفيين، العمل قبل المرور بمكتب الاستاذة ابتسام عبد الله، وهي تستقبلنا بابتسامتها التي لم تفارق وجهها وبهاء حضورها، لنتعلم منها، ناخذ رايها في تحقيق او موضوع نُشر لنا او قبل نشره، وغالبا ما كانت تردد قائلة: “هؤلاء ابنائي”، وهذا الوصف نابع من تواضعها بدلا من ان تقول هؤلاء طلابي، حيث كانت تتابع مسيرتنا المهنية لسنوات وحتى بعد ان تركنا جريدة الجمهورية الى صحف ومجلات اخرى، سواء داخل العراق او خارجه، وحتى بعد ان انتقلت للعمل في مجلة (الف باء) الاسبوعية.
وصفت ابتسام عبد الله، تجربتها في العمل بـ (جريدة الجمهورية) قائلة: “هناك ارتبطت بعلاقة حميمة مع عملي في الصحيفة واستمرت تلك العلاقة قرابة (22) عاماً أي منذ 1972 وإلى 1994 مترجمة ومحررة ثم رئيسة في قسم الترجمة وسكرتيرة تحرير فيما بعد. لقد كان العمل في تلك السنوات، في (جريدة الجمهورية)، ممتعاً وتعمقت لديّ روابط الزمالة والصداقة بالعديد من الصحفيين والصحفيات وقد تجلّت بأفضل أشكالها آنذاك، حيث كنا مجموعة متجانسة نحب عملنا ونبذل كل ما في وسعنا لبلورة جهدنا ونشاطنا وأفكارنا من أجل المحافظة على مستوى الصحيفة في تلك الأعوام وقد ازدهرت حقاً، وكانت تصدر أسبوعياً ملاحق متعددة في الرياضة والعلوم وملحق خاص بالأطفال. اعتقد أن مجموع تجاربنا كصحفيين في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم يمكن اعتبارها مدرسة تعلم فيها من وفد إلى الصحافة من الشباب والأجيال الأخرى.”
للكاتبة والمترجمة ابتسام عبد الله عدد من المجاميع القصصية والروايات والكتب المترجمة، اهمها: رواية (فجر نهار وحشي) و(ممر إلى الليل) و(مطر أسود.. مطر أحمر) و مجموعة قصصية صدرت عام 1999 بعنوان (بخور) و كتاب (بستان الهمسات) بالاشتراك مع المصور الفرنسي بان لام دوك، صدر في عام 1999 أيضاً. وترجمت (يوميات المقاومة في اليونان) وصدر في بيروت، و(مذكرات أنجيلا ديفز) و(في انتظار البرابرة). اضافة الى عدد كبير من المقالات التي نشرتها في الصحف والمجلات العراقية والعربية. وترأست تحرير مجلة (الثقافة الاجنبية) التي اصدرتها وزارة الثقافة والاعلام العراقية. وبعد الاحتلال الاميركي للعراق عملت ككاتبة ومترجمة في صحيفة (المدى) الصادرة عن مؤسسة المدى للثقافة والنشر.
قالت عن آخر رواياتها: “آخر إصداراتي الروائية هي رواية ميسوبوتاميا (بين النهرين)، صدرت عام 2002 عندما كتبتها كانت فكرة الاحتلال القادم متجسدة أمامي صورة ثابتة، علما أني أنجزتها في أواخر عام 2001. لقد اخترت قصدا كلمة “ميسوبوتاميا”، اسم لمحل بيع الانتيكات والتحف، وهي تعني بالنسبة لي، الاسم الذي أطلقه الآخرون على العراق وكأني بذلك أعيد ذلك الاسم إلى الحياة وإلى الذاكرة، دلالة على الحدث القادم.”
الكاتب علي حسين، رئيس تحرير صحيفة (المدى) كتب في نعيه للكاتبة ابتسام عبد الله: “تغيب ابتسام عبد الله بعد ان قررت اعتزال العالم بعد وفاة زوجها الصحفي الكبير والانسان النقي امير الحلو.. السيدة التي كانت شعلة من النشاط وجدت نفسها وحيدة من دون الرجل الذي احبته وعاشت معه اجمل سنين حياتها.. كانت ابتسام عبد الله نموذجاً للصحفية والكاتبة التي تملأ المكان حيوية واناقة ومحبة، انظر الى مكتبها الملاصق لمكتبي في صحيفة المدى حيث قضينا سنوات نتحاور عن الكتب وجديدها واتذكر تلك الابتسامة التي لا تزال تطوف في المكان، تذكرنا بان ابتسام عبد الله كانت بؤرة مضيئة في حياتنا .”
وتحت عنوان (لآفتة للزمن الجميل)، كتب الفنان المسرحي عزيز خيون: “حضورها الإعلآمي والثقافي، نبرة صوتها، وتلك الكريزما التي حباها بها الله، تمنح المتحدث معها طُمأنينة وأمان، وإشارة واضحة لتحضّر وقوّة شخصيّة المرأة في زمنٍ عشنا تفاصيله في هذآ العرآق الذي تناوشتهُ الأحداث الكارثية علىٰ مَرِّ العصور والحِقَب، إنها العراقية ابتسام عبد الله، الصحفية ومقدمة البرنامج الثقافي من شاشة التلفزيون والمُترجمة والروائية، التي غادرتنا اليوم إلىٰ الرفيق الأعلىٰ ، تاركةً خلفها سيرةً عطرة، هي من نماذجنا المُتميزات للمرأة العرآقية، وعياً ومشروعاً ثقافيّاً، وحركةً دؤوبة لإنجاز هذا المشروع، هي زوجة الراحل الإعلامي أمير الحلو، شخصية عراقية علىٰ درجةٍ عالية من التهذيب والكياسة، وأُم السيدة مينا الحلو، مُبتكرة فكرة ومديرة المتحف الإعلآمي في بغدآد، التي تسير علىٰ ذات الخُطىٰ في إبتكار المشروع وإدامته بعناد الإرادة، بالكدِ والتعب.. ما أصاب الوطن من دمار أحزن قلب السيدة الراحلة، لذلك اعتكفت مُبكرةً في منزلها لا تُغادره، تستقبل فقط القريبين منها، كان يَعزُّ عليها أن ترىٰ بغدآدها تُشَنُّ علىٰ مرائيها الجميلة حملات الإهمال والتشوية، وهذا ما حمّل قلبها حزناً علىٰ حُزن… سماوات الرحمة لروح الصديقة الفاضلة إبتسام عبد الله، وفضاءات الجنان، للسيدة مينا الحلو، لعائلتها، لمُحبي الفقيدة… لنا، ولهذآ العرآق… نعمة الصبر”.