لوحات ياكوب فان روسيدل.. ملحمة من المناظر الطبيعية

كانت هولندا في القرن الـ16 بقعة ساخنة بسبب الصراعات الدينية، وسياسة التوحيد الديني الصارمة التي فرضتها محاكم التفتيش في ظل حكم فيليب الثاني ملك إسبانيا، وقد أدّت في النهاية إلى ثورة عارمة حصلت بموجبها المحافظات الهولندية الـ17 على استقلالها عن إسبانيا وقامت دولة هولندا التي نعرفها اليوم.

هذا الإعلان كان لحظة فارقة في تاريخ هولندا إذ شهد القرن الـ17 انتشارا هائلا للمواهب والفنون والعلوم حتى صارت تلك الحقبة تسمى “بالعصر الذهبي الهولندي”. وأسهم تحرر الرسم من القيود الدينية التي فرضتها إسبانيا في تبنّي مواضيع أكثر واقعية وبساطة عن تلك الدينية التي استمرت طوال حرب الـ80 عاما؛ مثال تلك المواضيع مشاهد الحياة والغابات والشلالات وغير ذلك من عناصر الطبيعة والمناظر الحية أو البحرية.

وكان ياكوب فان روسيدل (بالهولندية: Jacob van Ruisdael) (1628-1682) واحدًا من أبرز رسامي المناظر الطبيعية في تلك الحقبة، والسبب في ذلك موهبته العملاقة وقدرته الفريدة على إيجاد حالة الدراما من خلال المشاهد البانورامية الطبيعية. وقد بلغت به تلك الموهبة أن انضمّ في عام 1648 إلى نقابة رسامي هارلم حيث تبنّى المذهب الكلاسيكي في الرسم، الذي اتسم باللوحات الدسمة التفاصيل والواضحة المعالم.

نغمات روسيدل المرسومة
أنتج روسيدل في حياته ما يناهز 700 لوحة، كان السواد الأعظم من تلك اللوحات يتناول الجبال والشلالات والشواطئ والكثبان والتربة الرملية وحقول الذرة والطواحين والمناظر البحرية والطبيعية الشتوية، وتشترك لوحاته جميعها في كونها ذات نغمة حزينة استطاع روسيدل رسمها بشكل مبطن في أعماله كافة.

ويعود تاريخ اللوحات الأولى لروسيدل إلى عام 1646؛ ونرى فيها آثار التحرر الديني الذي ساد تلك المرحلة، إذ زاد استبدال تمثيل الناس بتمثيل الظواهر الطبيعية مثل غروب الشمس والعواصف الثلجية والنهر الذي يضيئه القمر في الليل والسحب البرية. وقد أعطى روسيدل الطبيعة، بالذات الأشجار، اهتماما وتركيزا مضنيا حتى إن الحياة تكاد تتدفق فيها عبر الأغصان والأوراق في لوحاته.

ونرى في لوحة “منظر طبيعي لكثبان رملية” (Dune Landscape) المرسومة عام 1646، حين كان روسيدل مراهقًا في سن الـ18، مشهدا طبيعيا بانوراميا لكثبان رملية صغيرة مع وجود فلاح على جانب الطريق، وعامل يتحدث مع شخصيتين جالستين، كما توجد أشجار على الضفة المقابلة وقليل من اللون الأخضر في أوراق الشجر.

كان عرض روسيدل للأشجار في اللوحة واضحا لا لبس فيه، وأسهم في تعرُّف علماء النبات المعاصرين على الأنواع المرسومة، كما نجد بصمته الوجدانية واضحة كذلك من حيث توظيف الألوان الداكنة ليعطي إحساسا بالرحابة والدرامية في آن. اللوحة حاليا معروضة في متحف “هيرميتاج” بسان بطرسبرغ في روسيا تحت اسم “كثبان مشجرة” (Wooded Dunes).

وحسب الناقد الفني فالديمار يانوشاك فقد كان روسيدل “معجزة فنية تستحق أن تُرتّب في المرتبة الثامنة أو التاسعة على مقياس موزارت” كما ورد في صحيفة الغارديان (Guardian).

الطبيعة الملحمية
في سنواته اللاحقة التي تلت، سافر روسيدل إلى دول متفرقة في أوروبا بحثًا عن الإلهام وعن مناظر طبيعية فريدة يستطيع رسمها. وحين حطّ رحاله في ألمانيا وجد ضالته حيث كان البلد وطنًا لكثير من أنواع الأشجار والنباتات وطواحين الهواء والقلاع التاريخية.

كان روسيدل يرنو من وراء لوحاته في تلك الحقبة إلى أن يُظهر البيئة الطبيعية في مواجهة مستحدثات الحياة من مبان أو قلاع؛ ونرى في أعماله أن الطبيعة تنتصر دومًا على الإنسان. وقد ظهر مبدأ الانتصار للطبيعة هذا في أن روسيدل نفسه كان أول رسام يعطي طواحين الهواء مساحة لتصبح مواضيع فنية، فالتاريخ قبل روسيدل لا يعرف رسامًا جعل طواحين الهواء موضوعا زاخرا بالتفاصيل والسمات الطبيعية.

ويظهر الحضور الطاغي لعناصر الطبيعة واضحًا أيضًا في لوحته “البلوط في بحيرة مع زنابق الماء” (Oaks at a lake with Water Lilies) المرسومة بين عامي 1665-1670 حيث تظهر تفاصيل البلوط والزنابق جلية ويسهل التعرف عليها بالعين المجردة، في حين تظهر الألوان داكنة لتسدل بذلك حالة من العمق والدرامية على المشهد، واللوحة معروضة حاليا في متحف “جيملده” ببرلين.

جماليات البساتين
اهتم روسيدل في سنواته الأخيرة بتصوير المشاهد الطبيعية من منظور سماوي مرتفع كأنه يقف على أعلى قمة جبلية. وتظهر في لوحته “منظر هارلم مع أرضيات التبييض” (View of Haarlem with Bleaching Grounds) المرسومة عام 1665 بلدة هارلم التي دفن فيها بمنظور سماوي؛ تغطيها بساتين تبييض الكتان ويعلوها كثير من السحب التي تخلق أطيافا متباينة من الضوء والظل في الأفق.

فنسنت فان غوخ: “ياكوب فان روسيدل رسّام مهيب لدرجة أنه لا ينبغي تقليده”
هذا المنظور السماوي الذي برع في استخدامه روسيدل جعله مصدر إلهام لكثير من الرسامين، ومنهم فنسنت فان غوخ الذي اعترف أن “روسيدل كان مصدرا كبيرا للإلهام”، وأنه أيضًا “رسام مهيب”، كذلك رأى رائد المدرسة الانطباعية الفرنسي كلود مونيه أنه مدين لروسيدل بكثير من إبداعاته.