تمثلات البيئة في الغناء الريفي العراقي.. المنولوج لدى داخل حسن إنموذجاً

د. رشيد هارون

كثيرة هي الطرائق التي يمكن أن يستدل بها على تمثلات البيئة في الغناء الريفي العراقي، منها ما هو غاية في الوضوح، كاللهجة، والملبس، والايقاع. ومنها ما هو مضمر يمكن أن تستشفه القراءة كالمونولوج الداخلي الذي أعده من أهم الملامح التي تمثلت البيئة في الغناء الريفي العراقي لأنه مبعث حديث عن فنية الأداء وشعرية الكلام المغنى، ويتيح لنا الحديث عن ميل المطرب الريفي داخل حسن الى الأبوذية أكثر من ميله الى الأغنية الموقعة والبستة؛ وتمكن داخل حسن من أداء الأبوذية بتفرد لا يجارى وعدم تمكنه من أداء البستة بالقدرة والابداع نفسه الذي يؤدي به الأبوذية، وسنجد أن جلَّ وسائل التعبير في الكلام الذي غناه المطرب موضع البحث، فضلا عن طبقة الصوت، تصبّ في خانة المونولوج الداخلي بوصفه تمثلا للبيئة، وقد عبر داخل حسن خير تعبير عن البيئة عن طريق المونولوج الداخلي كما سيرد.

ولا شكّ بأن هناك ظروفاً معقدة تجعل الكتاب والروائيين يتوجهون إلى التعمق في الذات والبحث عن أنماط جديدة للتعبير عنها. وتمهد الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد الطريق لهم للبحث عن طرق أخرى للتعبير عن الأحاسيس التي تغذي حياتهم اليومية الخاصة. فيتعمقون عن وعي أو لا وعي للغوص في أعماق الأنا وذلك عن طريق المنولوج الداخلي الذي يقول عنه وليام جيمس أنه ” إلقاء نظرة صريحة وطويلة وصبورة على حقائق الحياة الداخلية وذلك فقط لرؤيتها”. إن تعريف المونولوج الداخلي، حسب دوجردان، هو خطاب شخصية دون متلقٍ ولا يترقب مستمعا لكي يسمعه. ويؤكد دوجردان على أن المنولوج الداخلي يجب أن لا يشمل على شرح أو تفسير وإلا لا يأخذ به كمنولوج. ويزعم أن دوستويفسكي وبراونين يفترضان مستمعا حقيقيا ومرئيا الذي يمكنه أن يتدخل بحيث يتحول بذلك المنولوج إلى حوار، أما” لفري لبود” فيعرف المنولوج الداخلي كتعبير عن الأفكار الأكثر خصوصية والأقرب للاوعي.

هذا من ناحية مادة المنولوج أما من ناحية روحه فهو خطاب يسبق أي تنظيم منطقي، يعيد هذه الأفكار إلى حالة ولادتها وطبيعة انسيابها. أما الشكل فيتم عن طريق جمل مباشرة ومختصرة. (ينظر نجاة تميم، الحوار المتمدن-العدد: 4005 – 2013 / 2 / 16 لمونولوج الداخلي في كلمات وأداء داخل حسن). الكلام واحد من الطرائق التي تمكننا من ملاحظة تمثلات المونولوج الداخلي والبيئة في الغناء الريفي العراقي، ويمكن أن يستدل عليه عن طريق صيغتي السؤال والنداء اللتين ترددتا كثيراً في غناء داخل حسن، فالسؤال يطلب مسؤولاً، وياء النداء منادى، بيد أننا اذا ما تصورنا البيئة الريفية فسنجدها تفتقر الى الكثافة السكانية وتفتقر الى قدرة ساكنيها على كشف أسرارهم والبوح بها الى الآخرين، فالعلاقات مشوبة بالكتمان والسرية، فثمة صلات قرابة ونظام عشائري لا يتهاون في مسألة الاعلان عن المحبوب، لذلك يتحول الكلام الى مونولوج تلهج به الذات المؤدية لكلمات الأغاني. ولا شكّ بأن الكلام يتمثل البيئة، والأهم من ذلك الأداء نفسه لدى داخل ممثلا للبيئة ودالا على أداء متفرد بسبب تمثل المطرب للكلام والبيئة معاً آخذين بالحسبان أن الانسان والمبدع على نحو خاص منتج مكاني لذلك يتجلى مكان بعينه في كلمات الأغنية فهذه أغنية تحيل الى الريف وتلك الى مدينة وأخرى تحيل الى الاثنين معاً. وهناك الفاظ كثيرة تتمثل البيئة الريفية في أغاني داخل على نحو: شظه، شرّاي، الريج، إهنا، حنظل،جنه، جنت، نشد، ريع، تلجمه، صواب ..الخ. والسؤال الذي يمكن أن يثار  هنا هو لمن يتوجه الشاعر أو المطرب باستفهامه أو بسؤاله؟ أو لمن يوجه شكواه في الأبوذية الآتية التي يقول فيها: شظه عني الأحبة بليل…شرّاي ؟ الريج حنظل برافكهم… شري يريد ايبيعني وما حصل … شراي شريته وباعني أبو ذات الرديّة.

إن الشاعر يتوجه بالسؤال والشكوى اليه، الى نفسه، ويمكننا أن نستشف بسهوله عدم وجود شخص موجه اليه السؤال، ولذلك لا ننتظر جواباً، وهذا يقودنا الى عدم انتظار حل في النهاية، الأمر الذي يتساوق مع تعريفات المونولوج الداخلي ومنها: إلقاء نظرة صريحة وطويلة وصبورة على حقائق الحياة الداخلية لرؤيتها. واذا ما عدت الى قراءة لازمة تكررت كثيراً في أبوذيات داخل حسن وهي لازمة ” يمة يا يمة” فهل أن المنادى هي الأم حقاً؟ واذا لم تكن الأم هي المنادى؛ لماذا تكررت لفظة الأم وتوسطتها ياء النداء؟ يمة يا يمة… ما نمت ليلي يسمر وحك عيناك. ورد في الكلام مار الذكر نداء وقسم في آن ” يسمر وحك عيناك” وعلى الرغم من تقديم النداء على القسم؛ إلا أن هذا الجمع يتيح لنا ترشيح أهمية القسم على النداء، وأهمية الغائب/ الحبيب؛ على المنادى المستحضر/ الأم، وبذلك أصبح النداء افتراضيا الأمر الذي قرّب الكلام والأداء معا من المونولوج الداخلي.

وتصح على ذلك أغنية داخل: يطبيب صواب دلالي كلف لا تلجمة بحطّت السماعة بعد دكات الكلب ما تنعرف تنكطع ما بين ساعة وساعة”، ويدعونا المثال مار الذكر الى استحضار قول القائل بأن المونولوج الداخلي” هو خطاب شخصية من دون متلقي ولا يترقب مستمعا لكي يسمعه.” وفي ذلك دعوة الى أن نستبعد احتمالية أن يكون واضع الكلام بإزاء طبيب فعلا، ذلك لأن إصابة ” الدلال” معنوية، فلا طبيب، ولا سماعة، ولا منادى، ولا ثمة من وجه اليه السؤال، ولا يوجد هناك مخاطب، كما ورد وسيرد، ومنه” مَن سال.. منو منكم عليّ نشد؟ الغناء غير الموقّع ممثلا للمونولوج والبيئة لدى داخل حسن.

اللحن هو الآخر يحيل الى الريف مرة؛ والى المدينة أخرى، فالطور أو اللحن الذي تؤدى به الأغاني الريفية يقوم على مقام واحد، ولازمة واحدة، لذلك فهو أداء أفقي في العادة، ولا شك بأن امتداد أغنية داخل أفقيا واعتمادها على الأبوذية تساوق مع امتداد البيئة الريفية وانفتاحها، لذا فداخل صاحب مدرسة في الأبوذية تحديدا وقد أثر بكثير من المطربين الكبار الذين جاؤوا من بعده، إلا أن داخل حسن كان يجهد نفسه كثيرا كي يستطيع ضبط الايقاع المرافق للبستة، وقد يخرج عن الايقاع أحياناً. أما لحن الأغاني المدينية فغالبا ما يقوم على التحول من مقام الى مقام، ومن ايقاع الى آخر؛ لذلك فهو يسير باتجاهين أفقي وعمودي، والغريب أن الغناء الريفي أقدر على سحب المتلقي المديني اليه، وعدم قدرة الغناء المديني على سحب المتلقي بالقدر نفسه.

داخل حسن لا يجرّب، ولم يسع الى نوع من التحديث؛ واجراء تغيير على طوره، وذاك غاية في الخطورة لكن داخل قبل قبولا واسعا لأنه مثّل البيئة باخلاص جم… فالتجريب حاجة، وهذه الحاجة لبّاها الطور والطبقة الصوتية، ولو مثلنا لذلك بلازمة أداها ناصر حكيم وداخل حسن، وهي تنغمهما بــ: لا لا لا لا. فمن خلال الطبقة نستطيع أن نميز كلا منهما. لنا أن نثير سؤالا فنيا يتصل بصميم النقد الموسيقي وهو: ماذا يعني للناقد الموسيقي أن مطربين يتصديان لطور واحد ويعقبانه بالأغنية نفسها، ثم ينجح الاثنان معاً، ويحرص المستمع على سماع الطور والأغنية من كلا المطربين ويستمتع بهما على نحوين مختلفين؟ لا يبتعد الجواب عندي عن أن كلا من المطربين أداهما أداء على وفق احساس الداخل بهما، وهو أداء يفوق قراءة أي آلة موسيقية لسولفيج الطور، ولذلك كما أرى أن داخل لم يزاحم ناصر حكيم وناصر حكيم لم يزاحم داخل وهما يؤديان طورا واحدا ويعقبانه بأغنية بعينها في الوقت نفسه، وهذا لا يمنعني من القول أن أداء ناصر حكيم كما مرّ عبارة عن صرخة، أما أداء داخل فهو أداء داخلي متوجه للداخل، وأداء نفسي للنفس، وأداء يجمع البيئة الريفية في بوتقة الداخل المكوّر الدائر حول الذات المنشغلة والمنهمكة بها.

ويمكنني القول أن معظم المطربين يقدمون للأبوذيه بـ: آه .. آه. داخل يقدّم لأبوذيته بــ” إه …إه. إه إه….. لو عينك تصل كلبي وتارا سيوفك كطعت منه وتارا إه إه تارا كتمت حسباتي وتارا يهل دمعي ويورج الناس بيه إه أف هله يا ريع روحي مرداهه بطيت وطول هجرك… من رداهه مرة اكتم اسراري مره داهي بدمع شبه العقيق اعلوطية. ولهذا الأداء المسبوق بـ” إه ” دلالته على تمثل البيئة الريفية والشجن الداخلي، وتحوله مونولوجا داخليا. المشهد أحادي التكوين ممثلا للمونولوج. إن الكلام الذي يغنيه داخل حسن يعرض مشهدا أحادي الحضور والتكوين، ولنا في ذلك نماذج كثيرة تنطوي على صراع، منها: ما نامت العين اتكالب اويه الروح/ ما نامت العين 12 ساعة الليل. ونماذج تنطوي على سؤال: من سال؟ منو منكم عليّ نشد من سال ؟ جفيتو ومن جفاكم صرت منسل اشعندي غير دمع العين من سال أخفف بيه المصاب اصار بيه….. ونماذج تنطوي على نداء: يا باجي الحباب وين الدهر شح بيك؟؟ اهنا يمن جنة وجنت جينة وكفنا ابابك فلا أحد في المشهد سوى المتكلم/ المطرب، وإن أقرب منادى، وأوقع فعل أمر كان في أغنية ” حن يا دليلي/ يا دمعة سيسلي// ولفي ابتعد/ يا دمعة سيلي ” ففي هذا المطلع يبدو الاحتدام والتقريع على أوجه، وعلى الرغم شدة الاحتدام وحدة التقريع فإن مساحته لم تتعدّ ذات المتكلم الأمر الذي يدعوني بالحاح الى تصنيفه ضمن باب المونولوج الداخلي.

أخلص الى إن امتزاج الكلام الذي غناه داخل حسن بالأداء وبالطبقة الصوتية وخلو المشهد الذي رسمه الشاعر من أي شخصية، وقيام الكلام على صيغتي النداء والاستفهام وترسيخ الغياب في المشهد، ونزوع المطرب الى الأبوذية، واتخاذ الأداء مسيرا أفقيّاً كل ذلك كان مدعاة الى الحديث عن المونولوج الداخلي، لأن لداخل قدرة لا تجارى على تمثل الكلام، والبيئة، والواقع الاجتماعي المعقّد، وعلى الرغم من صعوبة ما ذهبت اليه من عنوان؛ فقد تمثل داخل حسن كل ذلك عن طريق احالة وسائل التعبير الفنية كلها مونولوجا داخليا، وقد نجح في ذلك أيما نجاح.

*المقال مقدم من الكاتب د. رشيد هارون وهو من كتاب قيد الطبع ” الغناء العراقي من صالح الكويتي الى طالب القره غولي. تمثلات البيئة في الغناء الريفي العراقي، المنولوج لدى داخل حسن إنموذجاً”.