المشهد الرابع: سائرون يتبدل والتقدم يمضي والديموقراطي يعود لبغداد

على نحو مبكر حسم تحالف سائرون أمره بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة، لتحل كتلة جديدة بديلا عنه سميت ب (الكتلة الصدرية)، وسيتنافس أعضاء التيار الصدري منفردين دون تحالفات، مراهنين على شعبية تيارهم.

الى ذلك غادر نائب رئيس حزب التقدم محمد الكربولي “الباص البرتقالي”، معلنا عبر تغريدة له في ٢٠ شباط الماضي بانه ترك الحزب لأسباب ينوه عنها لاحقا، والتي على الأرجح تتصل بخلافات داخلية حول التراتبية القيادية داخل هيكلية الحزب وآلية إتخاذ القرار.

الأحزاب الكوردية وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني واصلت مفاوضاتها مع القوى الفاعلة والمؤثرة في صناعة المشهد الحاكم، عبر سلسلة زيارات مكوكية الى معقل العملية السياسية بالعاصمة بغداد، كان آخرها وفدا برئاسة القيادي بالحزب وزير الخارجة الأسبق هوشيار زيباري، وهذه هي الزيارة الثالثة الى بغداد في غضون اقل من شهر، مما يعكس إهتمام الحزب بالإنفتاح على جميع الإطراف في إطار التنسيق المشترك قبيل موعد إنطلاق السباق الإنتخابي.

الساحة الإنتخابية للأحزاب الشيعية والموزعة على محافظات الفرات الاوسط وجنوب العراق، باتت تتضح ملامح اللاعبين الإساسيين داخل الساحة، والتي توزعت على تنافس لثلاث فرق تشمل:

أولا : محور المقاومة

يتشكل هذا المحور من تحالف الفتح بقيادة هادي العامري ودولة القانون بزعامة نوري المالكي منفردين. تحالف الفتح أنتهى مؤخرا من رص صفوفه واكمال النظام الداخلي للتحالف، وتحديد المكاتب الانتخابية والسياسية والاعلامية، وتسمية المرشحين الذين سيخوضون غمار الانتخابات تحت عنوان الفتح بدلا من اسماء الكتل المكوِنة للتحالف. دولة القانون مازال يتفاوض بحثا عن المزيد من الحلفاء برغم انضمام حزب إرادة بقيادة حنان الفتلاوي وقوى شيعية أخرى من دون الإعلان عن هذا الإنضمام بشكل رسمي.

القواعد الشعبية التي تؤسس لإعادة تمرير الفتح ودولة القانون باتت معروفة، بحكم الرسالة المشتركة ونوع الخطاب المتبني لخيار المقاومة ورفض الاحتلال، والإنفتاح على اللاعب الإقليمي المؤثر إلا وهو اللاعب الإيراني، ولاشك أن هذه القواعد تمتلك مساحات واسعة في محافظات وسط وجنوب العراق، الى جانب بعض مدن نينوى وصلاح الدين وديالى، جمهور هذه القواعد تدعم احزاب محور المقاومة الرافض لتواجد القوات الأجنبية وتؤيد الفصائل المسلحة، لمنظمة بدر وحركة عصائب اهل الحق وكتلة سند الى جانب الفصائل الأخرى التي لاتمتلك غطاء سياسيا والموالية الى طهران.

المرشحون هنا سيتنافسون في ٥٨ دائرة انتخابية. وقد لجأ التحالف الى خطة ذكية لخوض الانتخابات، حيث ان التحالف سيدعم مرشح واحد لكل دائرة بغض النظر عن انتماءه الحزبي وسيكون الفائز منهم عضوا في مجلس النواب للتحالف وليس للأحزاب المنضوية داخل التحالف. والقائمون على التخطيط الانتخابي داخل تحالف الفتح يشعرون بالتفاؤل حول فرص نجاحهم ولديهم قناعة بانهم سوف يحصلون على اكثر من مقاعدهم الحالية. أما آليات الماكنة الإنتخابية لدولة القانون فإنها مازالت غير واضحة، ثمة تكهنات تشير الى تراجع ملحوظ بفرص حزب الدعوة ودولة القانون بشكل عام، وسيكون من الصعب المحافظة على السلة الحالية من المقاعد البرلمانية والبالغة ٢٥ مقعدا، وتستند تلك التكهنات الى شدة التنافس القادم وقوة الخصوم وبالأخص تحالف الفتح.

ثانيا : الكتلة الصدرية

بادر التيار الصدري مؤخرا الى تسجيل هذه الكتلة لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. ومن المعروف عن التيار بانه الأكثر تنظيما والأوسع خبرة في المعترك الانتخابي، ولديه ماكنة انتخابية متمرسة ومتميزة بإمكانها الوصول الى الحد الأقصى من الجمهور الإنتخابي لزيادة عدد مقاعدها البرلمانية. وسبق لزعيم التيار مقتدى الصدر أن أعلن في تغريدة يوم ٢٢ تشرين ثان الماضي عن عزمه عن الفوز “بأغلبية صدرية في البرلمان” و الحصول “على رئاسة الوزراء”. مما رفع منسوب التفاؤل لدى قيادات التيار حد التوقع بنيل مالايقل عن ١٠٠ مقعد، في الوقت الذي لن يتخطى مجموع قواعد المكون الشيعي هذه المرة عتبة ال ١٨٠ مقعد. إفراط قادة التيار بتفائلهم دفع منافسيهم الى تكثيف تحركاتهم ومناوراتهم للحيلولة دون تمكين التيار من تحقيق هذا الرقم او حتى الإقتراب منه بأي شكل من الأشكال.

جمهور التيار الصدري جمهور متراص ومنظم ومنضبط ولايلتف كثيرا الى غير زعيمه، ولا يتأثر بمتغيرات السياسية على الساحة، وقد عمل زعيم التيار مبكرا على إعادة تنظيم الجمهور من خلال تبني الخطاب التعبوي الجامع لمؤيديه وأنصاره. مراقبون يعتقدون أن تغريدات الصدر تهدف لتنشيط القاعدة الانتخابية الصدرية، اكثر مما هو تعبير عن رغبته بالحصول على رئاسة الحكم، ويعزون ذلك الى أن الناخب الصدري بات يشعر الملل وينتابه اليأس من احداث العامين الماضيين، وان نسبة كبيرة من الصدريين اصبح لايتفاعل بدعوات قيادته والإستجابة لرسائله. لذا بات من الضروري إستنهاضهم من جديد وحثهم على العودة لدعم التيار من خلال إعلان النية بتسنم حكم العراق، وبالتالي دفع الناخب الصدري وافراد أسرته للإندفاع من جديد بالتمسك بالتيار خيارا إنتخابيا لابديل عنه.

جدير بالذكر ان التيار الصدري معروف بقدرته على توجيه الناخبين وتوزيعهم على مربعات داخل الدائرة الانتخابية لضمان فوز مرشحه. وهذا ماسيتكرر لاحقا إطار التنافس في ٥٤ دائرة انتخابية. وقادة التيار حتى الآن يشعرون بقدرتهم على الفوز بها بمعدل مقعد واحد في كل دائرة الى جانب مقاعد إضافية من كوتا النساء وبذلك سوف تزداد غلته من المقاعد مقارنة مع بعددها الحالي البالغ ٥٤ مقعد.

ثالثا : المحور المدني

والذي يمكن وصفه أيضا بالمحور المعتدل يتألف من كتل سياسية صغيرة ومتوسطة مثل تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم وكتلة النصر بقيادة حيدر العبادي والتيار الديموقراطي (يضم الحزب الشيوعي وبعض الشخصيات المدنية) بقيادة علي الرفيعي بالإضافة الى الأحزاب الجديدة المنبثقة بعد انتفاضة تشرين بينها المرحلة والامتداد والبيت الوطني وغيرها. ويقترب من هذا المحور الأحزاب المؤسسة من قبل شخصيات سياسية تشمل الفراتين بقيادة محمد شياع السوداني وحزب الوفاء بقيادة عدنان الزرفي واقتدار بقيادة عبدالحسين عبطان و أحزاب جديدة أخرى بقيادة بعض المحافظين للمحافظات الجنوبية مثل البصرة وواسط.

جمهور المحور يشكل معظم المجتمع الشيعي ويفوق حجم المحورين الأول والثاني مجتمعين. وهذا الجمهور معروف باعتدال توجهه ويطغي عليه الطابع المدني اكثر من الإسلامي بالرغم وجود جمهور تيار الحكمة. القوى السياسية المتنافسة على هذا الجمهور متعددة وتتنافس بقوة فيما بينها، مما يرجح كفة مرشحي الاتجاه الأول والثاني في المنافسة والفوز، إلا في حال تشكيل تحالف، ينافس التحالفات الأخرى متخطيا تنافس القوى المنضوية فيما بينها. هناك محاولات جادة لتشكيل تحالف كبير يجمع تحالف النصر مع الأحزاب الجديدة وأحزاب الشخصيات السياسية لكن المفاوضات مازالت في بداياتها ولم تنتهي بعد.

زعيم تحالف عراقيون عمار الحكيم حاول من جانبه ان يشكل تحالف عابر للمكونات (التحالف الطولي) مناشدا قوى سياسية وفي مقدمتها الشيعية للإنضمام أليه، لكن الإستجابة لم تتحقق بعد، مثل سائرون والفتح ودولة القانون، والذين يرون هذا التحالف بزعامة الحكيم غير مجدي انتخابيا. الفرصة الوحيدة لتشكيل هذا التحالف هو جمع قوى سياسية تحت مظلة المحور الثالث، واذا ماكتب لهذا المسعى النجاح فأن بعض القوى الكوردية والسنية ستنضم أليه، لذلك مازالت حظوظ هذا التحالف دون المستوى المطلوب.

جدير بالذكر ان المشهد الشيعي مرهون بالمشاركة الواسعة، في حالة عزوف الناخبين بالاشتراك كما حصل في ٢٠١٨ فان المحورين الأول والثاني يكون لهم حظوظ كبيرة في المحافظة على مقاعدهم او زيادتها، اما اذا كان الاشتراك واسعا فان حظوظ المحور الثالث تكون اوفر. والمشاركة الواسعة مرتبط بتوفر الإستقرار الأمني للإنتخابات ليمنح الناخب الثقة في ضمان عدم ضياع صوته وتيقنه بأن مشاركته ستساهم في تغيير المشهد الحاكم بما يلبي طموحاته وتطلعاته. ومن المتوقع إنطلاق حملات إعلامية كبرى تشارك فيها مختلف الأطراف تهدف الى توسيع حجم ومستوى المشاركة الانتخابية.

حراك في المشهد السني

نشط الحراك السني مؤخرا وقبل نفاذ الموعد النهائي لتسجيل التحالفات لدى المفوضية العليا للانتخابات المحدد بيوم ٢٧ شباط الماضي، والذي تمخض عن اعلان تحالف جديد باسم المشروع الوطني للإنقاذ، وهو تحالف انتخابي بين جبهة الإنقاذ والتنمية برئاسة أسامة النجيفي والمشروع الوطني العراقي بقيادة جمال الضاري، برئاسة النجيفي والأمانة العامة للضاري. ويستعد هذا التحالف للتنافس بقوة في محافظة نينوى أولا وصلاح الدين وبغداد ثانيا.

اما حزب التقدم برئاسة محمد الحلبوسي فلازال يعتبر من الأحزاب السنية الاوفر حظا في الانتخابات القادمة بالرغم من اعلان مغادرة نائب رئيس تحالف القوى محمد الكربولي. مراقبون يعتبرون هذه المغادرة مؤقتة وسيعود الكربولي الى صفوف التقدم، وقد سبقها نشوب خلافات عميقة بين أعضاء قيادة الحزب إنتهت الى إنسحاب وزير الزراعة السابق فلاح الزيدان و النائب رعد الدهلكي من الحزب في ٢٦ كانون ثان ٢٠٢١، ليعودا ثانية بصمت الى صفوف الحزب من دون إعلان. مصدر مقرب من الحلبوسي وصف انسحابهم بقوله “الجماعة متعودين ياخذون فرة ويرجعون”، مايعني أنهم غير جادين إنما مجرد تسجيل موقف على موضوع خلافي، وفي غالب الأحيان فان هذه الخلافات ترجع لعدم الإتفاق والقبول بتوزيع المناصب كما كان الحال مع انشقاق رئيس حزب الجماهير عبدالله الجبوري (أبو مازن) من تحالف القوى. وأضاف المصدر بان “الباص البرتقالي يمضي بخطى واثقة ولن ينتظر احد”.

الكورد متحمسون

تكررت زيارات الحزب الديموقراطي الكوردستاني بزعامة مسعود برزاني عبرعدة وفود رفيعة الى بغداد في الآونة الأخيرة، حيث اجرى الوفد الأخير برئاسة هوشيار زيباري مباحثات مطولة ومعمقة مع القوى السياسية الرئيسة، وافاد مصدر مقرب من الحزب الديموقراطي بان “المناقشات تركزت على عقد تحالفات انتخابية حيث ابدى الديموقراطي مرونة غير مسبوقة” مع جميع القوى وخصوصا التيار الصدري، بل أن الوفد عرض تشكيل تحالف طويل الأمد قبل الانتخابات الا ان التيار رفض العرض، كونه عقد العزم على دخول الانتخابات منفردا. اللافت في هذه المباحثات ان الحزب الديموقراطي يريد الدخول بالتحالف المقترح بمفرده وكان شرطه عدم مشاركة القوى الكوردية الأخرى، والحصول على مناصب عليا في بغداد وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية.

الى ذلك توصل الاتحاد الوطني الكوردستاني الى تفاهم كامل مع تيار الحكمة للدخول في التحالف الطولي في حال تمكن عمار الحكيم من تشكيله. في حين استمر تحالف الأمل البرلماني الذي تأسس مؤخرا ويضم الأحزاب الكوردية المعارضة من دون الإعلان عن نيته دخول الانتخابات القادمة تحت العنوان الجديد لتحالفها.

عوائق الانتخابات

معظم القوى السياسية استكملت تشكيلاتها الانتخابية وباتت مستعدة لخوض الانتخابات بموعدها المحدد في العاشر من تشرين الأول القادم. لكن احتمال التأجيل مازال قائما، ذلك ان العوائق التي تحول دونها مازالت قائمة، ولم تسعى الأحزاب السياسية لمعالجتها، من بينها أزمة المحكمة الاتحادية وحل البرلمان لنفسه. حيث لم يتم التوافق بعد على كيفية معالجة قانون المحكمة الاتحادية، في ذات الوقت لم يبادر أي من الأحزاب سواء من داخل مجلس النواب أو من خارجه الى الدعوة لحل البرلمان، وبما أن قرار حل مجلس النواب يعد قرارا سياسيا بإمتياز ويحتاج الى اتفاق وتوافق القوى السياسية فان المراقبين يجزمون بان الأحزاب الحاكمة تنظر اليوم الى مصالحها أولا والتي تتقاطع كليا مع أي خطوة تفضي الى الإضرار بتلك المصالح، لذلك فأنها مازالت بعيدة كل البعد مع الإلتزام بتنفيذ الدعوة الى إجراء أي إنتخابات مبكرة.