تاريخ إنسان العصر الحجري.. “غوبكلي تبه” أقدم معبد في العالم

تقليديا يبدأ سرد التاريخ البشري القديم بالقول إن الزراعة أدت للاستقرار ثم ظهور المدن القديمة، ثم تطور الكتابة والفن ونشأت الحضارة من وحي السعي البشري للعبادة، لكن أقدم معبد مكتشف في العالم حتى الآن قد يغير كل الترتيب الذي اعتاد علماء الآثار سرده.

قبل التاريخ والتعدين وقبل استقرار البشر واختراع الكتابة والعجلة، وقبل بناء أهرامات مصر وستونهنج البريطانية بأكثر من 7 آلاف سنة، قامت مجموعة مجهولة من البشر ببناء معبد من الأحجار المتراصة في شمال الجزيرة الفراتية وذروة الهلال الخصيب، وبقي هذا الهيكل مطمورا في تلة غوبكلي على أطراف مدينة أورفا جنوب شرق تركيا المعاصرة منذ حوالي 12 ألف عام أو 11 ألف عام خلت.

بدأت ملاحظة الموقع للمرة الأولى بمسح أجرته جامعة إسطنبول وجامعة شيكاغو عام 1963 واكتشف الباحثون فيه قطعا حجرية ظنوا أنها شواهد قبور بيزنطية، لكن جهود التنقيب التي قام بها عالم الآثار الألماني كلاوس شميت (Klaus Schmidt) مع فريق تركي وألماني منتصف التسعينيات من القرن الماضي حددت زمن المعبد باستخدام الكربون، واكتشف على إثرها أعمدة ضخمة من عصور ما قبل التاريخ على حرف “تي” (T) أسفرت عن جدل هائل بين علماء الآثار الذين أصابتهم الحيرة بعد اكتشاف هيكل يتحدى ما اعتادوه من وصف إنسان ذلك العصر القديم بنمط حياة الصيد والتجوال وجمع الثمار مع بنية مجتمعية بدائية، فهل يمكن أن تبنى كل هذه الدوائر الحجرية الضخمة على قمة التلة؟!

أقدم معبد
ويعد الهيكل القديم أقدم معبد بناه البشر منذ العصر الحجري الحديث (ما قبل الفخاري)، وهو الزمن الذي اتفق علماء الآثار والتاريخ القديم على ربطه بما يسمى “الثورة الزراعية” في منطقة الشرق الأوسط، حيث شرع البشر في تدجين الحيوانات وزراعة النباتات والتحول إلى حياة الاستقرار في منطقة بلاد الشام والرافدين، وظهرت لاحقا أول المحاصيل الزراعية المستأنسة في هذه المنطقة بالتحديد، كما يقول الباحثون.

ورغم كثرة الألغاز التي تحيط بالموقع فإن القليل منها فقط تكشف مع استمرار التنقيب وتبين أن الموقع بني على مراحل وبشكل مطرد ومع مرور الزمن أصبحت الأعمدة والدوائر الأحدث أصغر وأبسط وتم تثبيتها بطرق أقل احترافية حتى قرابة عام 8200 قبل الميلاد، ومع ذلك لم يجد الباحثون الأثريون والمنقبون أي علامة على السكن أو البيوت القديمة أو حتى أماكن لإقامة العمال، كما لم يتوصلوا لأي مصدر قريب للمياه.

ويتكون المعبد من طبقات تم بناؤها على مدى قرون عديدة من النشاط المعماري، والتي بدأت على الأقل في وقت مبكر من العصر الحجري القديم على هضبة منبسطة وقاحلة، وتنتشر أجزاء البناء في جميع الاتجاهات وقرب منحدرات شديدة، وعثر فريق التنقيب في الموقع على أدوات عديدة استخدمت في البناء الذي اتخذ نمطا هندسيا عبارة عن دوائر تشكل مثلثا متساوي الأضلاع.

نظرية بديلة لنشأة الحضارة
كانت الفكرة التقليدية التي تعارف عليها العلماء تفيد بأنه عندما استقر الصيادون وقاطفو الثمار وبدؤوا في زراعة المحاصيل، منح الفائض الغذائي للبشر فرص تنظيم مجتمعات معقدة وأكثر تقدما، لكن عالم الآثار الألماني الذي قاد التنقيب في الموقع قدم تفسيرا معاكسا (قبل وفاته عام 2014)، إذ اعتبر أن القوة البشرية العاملة لبناء المعبد القديم هي ما قد يكون دفع البشرية إلى تطوير الزراعة المستقرة كوسيلة لتوفير الغذاء بطريقة منظمة، وإلا فكيف اجتمع الذين بنوا هذا المعبد القديم لنحت ونقل الأحجار الضخمة من دون أن يكون قد تم تأمين ما يكفي من طعام وشراب يلبي احتياجاتهم.

وأيضا تمثل أهمية الأبنية المعمارية الضخمة المكتشفة في كونها تمثل دليلا على أن البشر البدائيين الرحل الذين عاشوا كصيادين كانت لديهم القدرة على تشييد مبان كبيرة ليست للسكن وإنما للعبادة، وعبر الباحث الألماني الذي ترأس فريق الاكتشاف في الموقع الأثري عن ذلك بقوله “بني المعبد أولاً ثم بنيت المدينة”.

وتتمثل المفارقة التي حيّرت العلماء بالنظر إلى أن بناء هذا المعبد الضخم كان يتطلب اجتماع عدد كبير من الأشخاص في مكان واحد، وهو ما يتنافى مع نمط حياة صيد الحيوانات البرية والتجوال والترحال والبحث عن النباتات الذي يفترض العلماء أنه يميز هذه الحقبة الزمنية، وإضافة لذلك فإن البناء تطلب قطع وتشكيل ونقل أحجار ضخمة لمسافة غير قصيرة وكان ذلك قبل عصر تطويع المعادن واختراع العجلة واكتشاف الكتابة والفخار، وهو ما يمثل لغزا جديدا وحيرة إضافية.

معبد الموت
ويفترض شميت أن المعبد استخدم لشعائر وطقوس مرتبطة بالموت، بينما يعتقد أن النقوش ورسوم الحيوانات استخدمت كتعويذة لحماية الموتى، ورغم أنه لم يعثر على أي قبور في الموقع، فقد رجح علماء النبات أن هذه المنطقة من سهول الجزيرة الفراتية وذروة الهلال الخصيب هي التي بدأت فيها زراعة النباتات المستأنسة وما ارتبط بذلك من التحول لحياة الاستقرار والتمدن القديم.

وتبرز أهمية “غوبكلي تبه” في كونه يشكل تحديا هائلا لوجهة النظر التقليدية لصعود الحضارة القديمة، مع الأخذ في الاعتبار تقدير المنقبين الأثريين أن عملهم قد كشف قرابة 5% فقط من المعبد والموقع الأثري حتى الآن.

واكتشف العلماء في الموقع قرابة 43 عمودا أو شاهدا حجريا على شكل حرف “تي” (T) من الحجر الجيري الناعم يصل ارتفاعها إلى حوالي 18 قدمًا ووزنها يتراوح بين 16 طنا وحتى 40 أو 60 طنا، ويفترض العلماء أنها صور تجريدية للشكل البشري.

وتم نقل الحجارة من مقلع حجري في المنحدر أسفل التل، وعلى الرغم من أن بعض الحجارة المستخدمة في البناء غير منقوشة، فإن بعضها الآخر يعرض أعمالا فنية غير عادية في شكل حيوانات منحوتة بشكل متقن بينها ثعالب وأسود وثيران وعقارب وثعابين وطيور وحشرات، وهناك أيضًا أشكال مجردة وتصوير لامرأة مجهولة، ويفترض بعض علماء الآثار أن بعض الصور قد تمثل شكلاً من أشكال الكتابة البدائية أو تحتوي رموزا مقدسة كانت معانيها مفهومة لسكان المنطقة في الزمن القديم.

وتوفر الهياكل الحجرية والعناصر الحجرية والنقوش الزخرفية والأعمال الحرفية، نظرة ثرية لحياة المجتمعات التي عايشت زمن بناء الموقع.