رأي أميركي: ثمانية أسباب لحاجة الولايات المتحدة والعراق بعضهما للآخر؟

ديفيد بولوك*

أدّى اغتيال قاسم سليماني إلى تأجيج توتر العلاقات بين العراق والولايات المتحدة إلى درجة الغليان، إلى جانب استخدام فصائل الميليشيات الإكراه والقوة لإقرار قانون داخل مجلس النواب العراقي ينص على انسحاب القوات الأمريكية، وتفكير مختلف الحلفاء الأوروبيين في الخروج من العراق. ولكن قبل التوقيع على أوراق الطلاق، يجدر بالمسؤولين في بغداد وواشنطن النظر في الأسباب العديدة التي تؤكد أن بقاءهما معاً هو الأفضل لكليهما وللشرق الأوسط.

إنقاذ النصر على تنظيم «الدولة الإسلامية»

من الضروري أن يبقى للولايات المتحدة وجودٌ عسكري في العراق، مهما كان متواضعاً، لضمان هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» بشكل نهائي. وفي المقابل، إذا أدّى مقتل سليماني إلى انسحاب القوات الأمريكية المنخرطة في العمليات المحلية ضد التنظيم، فسيشكّل ذلك ضربة كبيرة للحرب على الإرهاب. فحتى بعد أن خسر تنظيم «الدولة الإسلامية» آخر معاقل خلافته في آذار/مارس 2019، كان لا يزال قادراً على تنفيذ 867 عملية إرهابية داخل العراق وحده خلال الفترة المتبقية من العام. ولا شك في أن عدد هذه الهجمات وشدتها سوف يزداد في غياب الضغط العسكري الذي تمارسه القوات الأمريكية والحليفة. كما أن العمليات المستمرة ضد المعاقل التي ينشط فيها التنظيم بنفس القدر في سوريا ستقوَّض هي الأخرى بشكل فتّاك. وتقدّر الأمم المتحدة أن تنظيم «الدولة الإسلامية» لا يزال يملك احتياطاً تصل قيمته إلى 300 مليون دولار لدعم حملته الإرهابية، بينما يشير المسؤولون الأكراد إلى أن التنظيم أعاد اليوم رصّ صفوفه سراً في العراق متجهّزاً بـ “تقنيات أفضل وأساليب أفضل”.

وبسبب جميع هذه الأسباب تحديداً، تعهّد الوزراء الذين شاركوا في اجتماع “التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»” في 14 تشرين الثاني/نوفمبر بمواصلة دعم الحكومة العراقية من أجل “ضمان الهزيمة الدائمة للمنظمة الإرهابية”. وللوفاء بهذا التعهد، على الولايات المتحدة البقاء في العراق، وإلا فإنها تجازف بتكرار أخطاء عام 2011 حين أدّى الانسحاب المبكّر لقواتها إلى صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» في المقام الأول.

حرمان سليماني النصر بعد وفاته

هناك صلة مباشرة بين موت سليماني والأولوية الراسخة في سياسته المتمثلة بإرغام الولايات المتحدة على الخروج من العراق. وإذا انسحبت واشنطن الآن، فسيكون سليماني قد حقق بموته ما حاول دون جدوى تحقيقه في حياته، وسيكون هذا الأمر أكبر بكثير من مجرد فشل رمزي ومعنوي، بل سيكون هزيمة سياسية كبيرة لواشنطن، وانتصاراً لإيران. أما إذا حافظ القادة الأمريكيون على ثباتهم في العراق، فسيؤكدون على فشل ملحمة سليماني، مما يؤدي إلى تآكل مكانة إيران الدولية وتعزيز مكانة واشنطن في الوقت نفسه.

الحفاظ على عراق ودود، وتحقيق توازن إيران

لا يُخفى أن العراق يعاني كثيراً بسبب التدخل الإيراني، لكن العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق أثبتت أنها ليس مسألة ميؤوس منها. وكانت هناك أدلة كثيرة على ذلك في الأيام القليلة الماضية وحدها: فالرئيس العراقي برهم صالح، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ووزارة الخارجية العراقية نددوا علناً بالهجوم الإيراني بالصواريخ الباليستية على القواعد التي تتواجد فيها قوات أمريكية؛ كما أن نصف أعضاء البرلمان العراقي بالكامل قاطع جلسة التصويت التي عُقدت في 5 كانون الثاني/يناير لإخراج القوات الأمريكية،؛ بالإضافة إلى ذلك، أصدر الرئيس صالح بياناً أشار فيه إلى أن “الولايات المتحدة حليفتنا وإيران جارتنا”؛ كما تعهد قادة «حكومة كردستان العراق» من جديد – علناً وسراً – بالتعاون مع الولايات المتحدة.

وإذا بقيت القوات الأمريكية في العراق، فسوف تعزِّز بشكل كبير مكانة الولايات المتحدة في تلك البلاد وتسهم في التصدي للنفوذ الإيراني المضر في جميع أنحاء المنطقة. ولكن خروجها يعني أن العراق سيصبح معرّضاً لخطر داهم بالانزلاق مجدداً إلى العزلة المدمّرة التي عاشها أيام صدام حسين، علماً بأنه سيكون حينذاك أقل قدرة على مقاومة السياسات الإيرانية الضارية. وفي الواقع أن معظم العراقيين يتوجّسون من هذه الفكرة، وعن وجه حق، وخير دليل على ذلك هو مئات آلاف المتظاهرين المناهضين لإيران الذين خرجوا إلى الشوارع العراقية خلال الأشهر الأخيرة، وخاصة في المناطق الشيعية. فهم يفضّلون إلى حد كبير عراقاً يتمتع بالسيادة والسلم والتعددية ومندمجاً اندماجاً تاماً في المجتمع الدولي. ومن شأن الوجود الدبلوماسي والعسكري الأمريكي المستمر أن يساعد في تعزيز تلك الآمال. وعلى هذا النحو، من المنطقي أن تتوقع واشنطن من الحكومة العراقية طرح شروط كفيلة بجعل هذا الوجود مفيداً لكلا الطرفين.

منع إيران من استغلال النفط العراقي

إلى جانب قيمة العراق الجيوستراتيجية والسياسية، تُعتبر هذه الدولة اليوم من كبرى الدول المصدّرة للنفط في العالم، مع احتياطيات ضخمة على المدى الطويل. وإذا بقي الوجود الأمريكي على ما هو عليه، فسوف تجني اقتصاديات الولايات المتحدة والعراق، والاقتصاد العالمي هذه الفوائد معاً. ولكن إذا غادرت الولايات المتحدة، سوف تزداد فعلياً سيطرة إيران على موارد الطاقة والموارد المالية الضخمة، وتحول دون استخدامها في مشاريع التنمية العراقية لكي تتجنب العقوبات وتدعم طموحاتها بالهيمنة إلى حدٍّ كبير.

المساعدة في ضمان أمن الأردن واستقراره

إن مغادرة الولايات المتحدة العراق سيرغم الأردن على مواجهة مجموعة جديدة من التحديات الأمنية. فالموارد العسكرية والاستخباراتية التابعة للمملكة الأردنية مرهَقةٌ أصلاً بسبب استخدامها المكثّف على الحدود السورية، وسوف ترزح المملكة تحت عبءٍ إضافي لحماية حدودها مع العراق التي تعدّ أطول وأبعد بكثير من حدودها مع سوريا. ولطالما عبّر المسؤولون الأردنيون عن قلقهم البالغ من وجود إيران ووكلائها في كلا البلدين المجاورين. وخلافاً لإسرائيل، فإن قدرة عمّان على التصدي لهذا الوجود محدودةٌ للغاية.

وعلى نطاق أوسع، من شأن الانسحاب الأمريكي أن يعزز مخاوف الأردن من مصداقية الولايات المتحدة وقدرتها على الصمود، علماً بأن هذه الهواجس ظهرت للمرة الأولى بشكل حاد خلال إدارة أوباما. وقد تستمر العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل لعدم وجود خيارات أفضل، لكن العلاقات السياسية قد تتعثر. وإلى جانب الآفاق الاقتصادية الصعبة للأردن، فمن شأن هذه التطورات أن تهدد استقرار وصداقة حليفٍ رئيسي قديم للولايات المتحدة يقع مباشرة بين إسرائيل والعراق، مع تداعيات سلبية على جميع الأطراف المعنية.

تمكين تقاسم الأعباء مع الحلفاء في الخليج

تَعتبر جميع دول «مجلس التعاون الخليجي» تقريباً أن القوات الأمريكية في العراق هي الأساس للوحدات العسكرية الأمريكية التي تستضيفها على أراضيها، وعامل حيوي في دفاعها عن نفسها ضد إيران. وفيما يتخطى إطار الحكومات أو النخب فقط، أثبتت استطلاعات الرأي التي اُجريت مؤخراً في الكويت والسعودية وغيرهما من دول «مجلس التعاون الخليجي» أن شعور الامتعاض من إيران والمرشد الأعلى علي خامنئي والأطراف المدعومة من طهران أمثال «حزب الله» والحوثيين شائعٌ في جميع أنحاء الخليج. وفي السنوات الأخيرة، كان الدعم الخليجي للعراق متردداً وشحيحاً جداً رغم الضغوط الأمريكية. ولكن بعد الإجراء الأمريكي الحاسم الأخير ضد إيران في العراق، تحسّنت إمكانيات تقديم مساعدات أكثر سخاءً وإنشاء علاقات دبلوماسية أكثر متانة.

وفي وقت لاحق من هذا العام، من المتوقع أن تبدأ دول «مجلس التعاون الخليجي» بتزويد العراق بالكهرباء ليخفّ اعتماده على الإمدادات الإيرانية. وفي الوقت المناسب، إذا بقيت الولايات المتحدة منخرطة في الأحداث، فقد يتحوّل العراق من تهديدٍ إلى شريكٍ مع حلفاء عرب آخرين في المنطقة. أما إذا انسحبت أمريكا، فقد تنظر بعض الحكومات وشعوبها إلى العراق على أنه دولة تابعة لإيران حتى بدرجة أكبر، إن كان ذلك بسبب أغلبيته الشيعية أم بسبب مغادرة القوّة الموازنة الرئيسية. كما أن استعداد هذه الحكومات للاعتماد على الضمانات الأمريكية – المشكوك فيها أصلاً – سيتراجع أكثر بعد. ومن شأن كل ذلك أن يزيد الضغوط التي تشعر بها دول «مجلس التعاون الخليجي» لإرضاء إيران، مما يعني فعلياً انتزاع هزيمة أمريكية من بين أنياب النصر.

الحد من الانخراط الإسرائيلي

بخلاف الدول الواقعة بمحاذاة العراق، لا ترتبط إسرائيل بأي علاقة مباشرة بالأحداث الأخيرة في العراق. ومع ذلك، قد يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى ظهور تهديدات إضافية للأمن الإسرائيلي. إذ أنه سيمنح لكل من إيران وتنظيم «الدولة الإسلامية» حريّة أكبر بالتحرك داخل العراق، ومن المحتمل أن ينتشر عبر الحدود الكثيرة المنافذ إلى سوريا، وصولاً إلى حدود إسرائيل. وستُمنى المصداقية الأمريكية بانتكاسة جديدة أيضاً.

ونتيجة لذلك، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى تكثيف غزواتها ضد الإرهابيين ووكلاء إيران داخل العراق، الأمر الذي قد يُجهد قدراتها، ويزيد من هشاشة الوضع في العراق، ويخاطر بالتعرّض لانتقامٍ أكبر. وقد يكون التهديد المشدد للأردن، الذي تجمعه مع إسرائيل حدودٌ طويلة ومعاهدة سلام، مصدر قلق بالغ أيضاً.

الحصول على المزيد من الدعم من الحلفاء الأوروبيين

من شأن الانسحاب الأمريكي أن يحدّ بشكل جذري من قدرة القوات الأوروبية على الاستمرار بتدريب قوات مكافحة الإرهاب العراقية. على سبيل المثال، سبق وأن أعلنت ألمانيا وكندا أنهما تزمعان إخراج جزء من وحداتهما الصغيرة بسبب انعدام الأمن في الوقت الحالي، على الرغم من أن فرنسا تخطط للبقاء في العراق.

وفي المقابل، إذا حسّنت الولايات المتحدة أداءها في العراق – ليس فقط عسكرياً بل سياسياً واقتصادياً أيضاً – فمن المرجح أن يتم تقاسم الأعباء مع الحلفاء بشكل أفضل. بالإضافة إلى إلى ذلك، يتمثّل الهدف الأكبر للوجود العسكري الغربي في العراق بمعالجة بعض القضايا التي مهّدت لنشوء تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتحديداً انعدام الأمن وتهميش السُنّة وغياب التنمية الاقتصادية. إن ذلك يساعد على فهم سبب رد العواصم الأوروبية بحذر شديد على اغتيال سليماني، بإشارتها إلى مسؤوليته الأوّلية عن التصعيد ودعوتها لجميع الأطراف أيضاً إلى فك التصعيد في المرحلة المقبلة.

*ديفيد بولوك هو “زميل برنشتاين” في معهد واشنطن ومدير منتدى فكرة. يود أن يشكر العديد من زملائه في المعهد على مساهمتهم في هذا المرصد السياسي، من بينهم غيث العمري، وعُلا الرفاعي، و إلينا ديلوجر، وسارة فيور، وسايمون هندرسون، وباربرا ليف، وماثيو ليفيت، وتشارلز ثيبوت، وهارون زيلين.