النظام الإيراني والسلام المستحيل

رستم محمود*

كانت حياة قاسم سليماني تكثيفا معبرا عن كامل سيرة النظام الإيراني، منذ أكثر من أربعين عاما وحتى الآن. تلك السيرة التي هي سيرة حرب أكثر من أي شيء آخر، في كل حدبٍ ووقت، وضد أي أحد.

في كل تفصيل من حياة سليماني المهنية، يمكن إيجاد ما يناظرها من تاريخ إيران الحديث، والعكس صحيح تماما. فما إن تمكنت الثورة الشعبية من الإطاحة بنظام الشاه عام 1979، حتى انقلب الموظف المدني في شركة المياه العامة، والمنحدر من عائلة بسيطة شرقي البلاد، انقلب على نفسه وروتين حياته، وصار عضوا فاعلا في تنظيمات المقاتلين من حراس الثورة، الذين خاضوا حروبا أهلية داخلية شديدة الشراسة.

طالت هذه الحروب الشركاء الأقربين، مثل “حزب توده” و”مجاهدي خلق” وبقايا نظام الشاه والقوميين الفرس؛ أو في مواجهة القوى الأهلية الرافضة للهيمنة الفارسية/الشيعية على البلاد، خصوصا الأكراد والعرب والباشتون، الذين شارك وقاد سليماني أولى مهامه القتالية الرئيسية في مواجهة قواهم السياسية المسلحة في أقاليم سوار القوميات حول إيران، بعد شهور قليلة من الإطاحة بالشاه في ربيع العام 1979.

 

كامل المحطات الأخرى، طوال العقود الأربعة المتتالية، كانت صورا عن ذلك. حيث تحول سليماني من عضو بسيط إلى قائد ميداني، ومنه إلى ضابط فمخطط استراتيجي، لينتهي به المطاف قائدا لأضخم وأكثر المؤسسات العسكرية/الاستخباراتية الإيرانية حساسية، فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

تلك التحولات التي صاحبت تحول إيران من كيان ومجتمع كثير الثراء والتنوع، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، فعليا ورمزيا.

كانت الحرب الإيرانية العراقية الطويلة، وما تلاها ورافقها من تخطيط ومهاجمة لمصالح الدول والأجهزة المناهضة للنظام الإيراني في الخارج، وما تبعها بعد شهور قليلة من تدخل في الشأن العراقي عقب حرب الخليج الثانية، وصولا لمحطة التدخل والتأثير في الملف الأفغاني خلال الخضات القلقة طوال عقد التسعينيات، وليس انتهاء بأعداد وتدريب وتجنيد الأحزاب السياسية والقوى الأيديولوجية والمليشيات المسلحة في مختلف دول المنطقة، وربما العالم، في لبنان وسوريا واليمن والبحرين، ودون شك في أواسط آسيا وأفريقيا ودول البلقان، وأي مكان آخر رأت فيه الاستراتيجية الإيرانية إمكانية للتخطيط والتدخل الأمني في شؤونه؛ وانتهاء ببرامج الصواريخ البالستية والمفاعلات النووية.

مجموع كل هذا هو سيرة ملخصة للنظام الإيراني؛ إذ لا يكاد أي باحث في التاريخ السياسي أن يعثر على أية دلالة أو أثر على ذلك النظام خارج تلك الحلقات والبرامج والخطط والتوجهات الحربية الأمنية المتتالية.

كان للكثير من الرؤساء والأنظمة السياسية في المنطقة توجهات حربية، كصدام حسين والقذافي وأتاتورك وجمال عبد الناصر…إلخ. فكل هؤلاء شكلت الحروب والقلاقل الأمنية أدواتهم لاستحواذ الشرعية وضبط التوازنات مع الجيران وتصدير الأزمات الداخلية. لكن أي واحد منهم، بما في ذلك النظام الكوري الشمالي، لم تكن الحرب أداته ووسيلته الوحيدة، مثلما كانت وهي الآن بالنسبة للنظام الإيراني.

فصدام حسين خاض حربان طالا لمدة عشرة سنوات، من أصل ثلاثة عقود ونصف شغلها في حكم العراق. كذلك فعل عبد الناصر في حربين سريعتين، والقذافي لم يخض إلا حربا كاريكاتورية مع جارته التشاد، التي خسرها صامتا. ومثلهم كانت باقي الأنظمة والتيارات السياسية. لكن الديمومة الإيرانية وحدها كانت مطلقة ومثيرة.

ثمة قوس كبير لسؤال رئيسي يُفتح بشأن هذا الجموح الاستثنائي للنظام الإيراني لخوض الحروب بمختلف أشكالها، بإطلاق ودون هوادة أو حسابات. إذ ما الدافع والطاقة والآلية التي تجبر هذا النظام على فعل ذلك، تلك الأدوات التي تفقدها باقي الأنظمة، على الأقل بهذا الزخم والنوعية الإيرانية!

من دون شك تأتي البنية الأيديولوجية على رأس تلك الدوافع. فالهيكل التأسيسي للنظام الإيراني، الذي تحول في مرحلة لاحقة إلى أساس دستوري وسياسي وعسكري، هو نظرية الولي الفقيه الدينية الطائفية، التي ترى العالم المحيط بها على ثلاثة مستويات متراكبة فيما بينها: فطبقة رجال الدين حسب هذه النظرية يجب أن يكون لها السُدة في حكم باقي أفراد وطبقات ونزعات وخيارات المجتمع المحكوم، الذين يجب أن يخضعوا لطيف أوامر ورؤى وخيارات هذه الطبقة الثيوقراطية. الأمر نفسه يتعلق بمركزية وفاعلية الطائفة الشيعية الاثني عشرية في علاقتها مع باقي الطوائف والجماعات المسلمة، تلك الفرق التي تراها النواة الصلبة للنظام الإيراني بأنها “الناجية” الوحيدة. وأخيرا في علاقة المسلمين بغيرهم من المجتمعات والثقافات والدول، كعالمين متقابلين، في حرب خالدة.

شكلت تلك الترسانة الأيديولوجية ذخيرة لا تنضب للنظام الإيراني، جندت بها ملايين الشباب، ونظمت حسبها خطابها السياسي والثقافي والرمزي، التي كونت مجتمعة عقلها ومنطقها السياسي، وبالتالي قاد وخط سيرتها العسكرية.

إلى جانب الأيديولوجية، كان تعطش هذا النظام لنيل الشرعية أساسا لفاعليته الحربية. فمنذ لحظته التأسيسية على الحرب الداخلية، مرورا بحروبه الأخرى التي ما توقفت، استخدم النظام الإيراني تلك الحروب في نيل الشرعية من مختلف القواعد الاجتماعية الإيرانية عبر الحرب، أي باعتباره القوة التي تدافع عنهم وعن “مصالحهم” عبر تلك الحروب.

وحتى القواعد المجتمعية التي ما تمكن ذلك النظام من مخاتلتها عبر خطاب الحروب الدفاعية، من المتعلمين والمدينيين من أبناء الطبقة الوسطى ودعاة حقوق الإنسان وذوي الخيارات السياسية الأخرى وأبناء الأقليات، فإنه استخدمت تلك الأدوات الحربية لابتزازها، للتشكيك بها وبمواقفها “الوطنية”، ودائما للاستخفاف بخطابها النظير وتأجيل مطالبها وحقوقها السياسية والمجتمعية، وإن لزم الإمر، تحطيمها عبر الأدوات التي راكمتها طوال تلك الحروب.

على دفتي الأيديولوجية واستحصال الشرعية، كانت الحروب تشكل سورا وقائيا لهذا النظام، الذي كان يؤمن في قرارة نفسه بأن المزيد والمزيد من الحروب والتدخلات العسكرية والأمنية، إنما ستوفر له كما هائلا من أدوات المساومة مع أية قوة عالمية أو إقليمية قد تضغط وتفرض عليه بعض الشروط، تلك الضغوط التي قد تؤثر على استقراره وهيمنته المطلقة على مجتمعه الداخلي.

خلال السنوات العشرة الأخيرة، جربت قوى المجتمع الدولي الفاعلة مختلف الأدوات مع النظام الإيراني، لتغيير سلوكه ونمط تفاعله مع محيطه. جربت العقوبات الاقتصادية وتغيير مستويات التبادل الدبلوماسي، حاولت أن تغريه بالشراكة السياسية والأمنية في مختلف الملفات والدول، وفي مرات غير قليلة وجهت لها ضربات عقابية وتهديدات بحرب مباشرة، لكنها بمجموعها فشلت في إحداث تحول نوعي في البنية الحربية والهوية الأمنية لسلوك النظام الإيراني.

طوال نفس هذا العقد، كانت الطبقة الوسطى الإيرانية، العُمرية والتعليمية والمدينية، قد نمت بشكل استثنائي، وصارت متداخلة بكثافة استثنائية مع قضايا وأسئلة ورموز وأدوات العالم الخارجي، وصارت بالتالي أكثر تطلبا لحاجات ثقافية وسياسية واقتصادية رمزية، في الداخل أولا، وفي علاقاتها مع العالم بدرجة ثانية. وهي متطلبات تصطدم في كل تفصيل منها بالطبائع الحربية للنظام الإيراني، التي هي غريزته وهويته وديناميكيته الوحيدة. هذا العناد والمسار الذي سيدفع الإيرانيون أثمانه الغالية، من حاضرهم ومستقبلهم، ومعهم سيدفع سكان المنطقة تلك الأثمان، وإلى حدٍ ما سيدفع كل العالم.

 

*عن موقع “الحرة”