اراء و أفكـار

 

حل أزمة المياه الحالية والمستقبلية من خلال التعاون الاقتصادي بين العراق ودول الجوار

تاريخ النشر       25/03/2019 03:22 PM


الدكتور عزام علوش

بعد ان بدأت تركيا بإملاء سد أليسو في حزيران الماضي ، ظهرت أزمة المياه للعيان في عمود دجلة بعد دخولهِ الأراضي العراقية ، فاستدركت الحكومة التركية ما قامت به ، وقررت أن تؤجل ملئ السد ، على الرغم من التبعات المالية التي ستخسرها نتيجة التأخر بإنتاج الطاقة الكهربائية بسبب هذا القرار .

سد أليسو ليس السد الأخير من سلسلة السدود التي أنشأت في تركيا و لا حاجة أن أذكّركم أن إيران هي الأخرى قد أنشأت السدود على منابع الأنهر المغذية للزابين وديالي والكرخة ، ناهيك عن تحويل مجرى الكارون من مصبه في شط العرب الى نهر باهامشير.

هذه السدود ستجعل العراق يعاني من شح المياه بعد أن كانت مشكلتنا الأزلية هي حماية المدن من أخطار الفيضانات.

إن عدم وجود حلول جذريه سيؤدي الى إنهاء الزراعة فيما بين النهرين ، حيث ولدت الزراعة الإروائية في أيام السومريين.

وبما ان القانون الدولي لا يطّبق إلا على الضعيف فمناداة العراق بحقوقه الدولية لن يكون لها آذان صاغية ، والوقت ليس مع العراق في انتظار استحصال حقوقه ، لذا علينا الأخذ بحلول غير تقليدية لقضية المياه الإقليمية المشتركة لكي ننقذ العراق من الأزمة القادمة.

وهنالك عدة أفكار قد تم طرحها سابقا في منشورات علميه .. أقدم ملخصا مقتضبا لها وكما يلي:

1.      تأجير السدود والخزانات التركية لخزن المياه العراقية ، هذا الحل سينهي خساره جزء كبير من أصل أكثر من (10) مليار متر مكعب سنويا من خلال التبخر والتسرب الحاصلين حاليا في الخزانات العراقية التي أنشأت في القرن الماضي لدرء خطر الفيضان (الثرثار والحبانية والرزازه بشكل رئيسي ، وبعدها سد الموصل وسد حديثه ودوكان و دربندخان) ، و سيوفر أيضا كلفة الحشو المستمر لأسس سد الموصل الذي أنشأ على عجلة في أيام الحرب مع إيران ، لحماية خطوط التماس من خطر الفيضان ، علما ان سد الموصل يعتبر من أخطر السدود عالميا (تقرير فيلق المهندسين الأميركي في ٢٠٠٧).

 

2.                  يُدفع ثمن إيجار السدود والخزانات التركية من خلال أسعار تفضيليه للنفط والغاز وإيصالهما الى إسطنبول ، ومن إسطنبول من الممكن أن نفتح باب التصدير لتزويد أوروبا بالنفط أو مشتقاته والغاز ، وقد يقول البعض ان هذا الحل يضع مستقبل العراق في أيدي تركيا ، وجوابي لهم أن مصدر أكثر المياه العراقية هو من جبال تركيا ، وهذا حكم الجغرافية ، وأنا لا أقول هنا أن ننهي السدود والخزانات العراقية ، وإنما صيانتها وإبقائها لحين الحاجة (الحشو تحت سد الموصل أسهل في حاله تقليل ضغط المياه) ، وإذا وصلنا الى الإدارة المشتركة لحوضي دجلة والفرات ، تنعدم الحاجة لخزن المياه في ضل المصالح الاقتصادية المشتركة مع دول الجوار.

3.      ربط شبكة الكهرباء العراقية مع تركيا والكويت وإيران ، فأكثر من نصف الطاقة التوليدية الكويتية لا تشّغل إلا وقت الطلب الأعلى خلال الصيف ، هذه الطاقة من الممكن ان يستفاد العراق منها ويتم دفع كلفها من خلال السماح للبضائع المستوردة عبر ميناء مبارك بالدخول الى العراق والترانزيت الى تركيا وبالعكس ، فسيكون هذا الربط مثل طريق حرير جديد حديث يقصّر المدة الزمنية لشحن البضائع من الشرق الأقصى إلى أوروبا (تكملة الفكرة في الفقرة الـ٧ أدناه).

4.      تزود الشبكة المتكاملة بالطاقة الكهرومائية أو الحرارية أو كلاهما حسب الظروف المولدة في جبال تركيا والكويت والعراق وإيران في الليل وبالطاقة الشمسية النظيفة خلال النهار ، بالإضافة الى الطاقة الحرارية من المولدات الحالية سواء في الكويت أو العراق أو إيران ، طبعا هذا الأمر يحتاج الى إنشاء شبكات نقل كهرباء حديثة في العراق ، علما ان تركيا مربوطة مع أوروبا حالياً ، وهذا يفتح باب الاستثمار في الطاقة الكهربائية من ألواح الطاقة الشمسية في العراق والكويت وإيران ، وبيعها لأوروبا في المستقبل عند تواجد الفائض منها.

5.      تغيير سياسه الدعم الحالية في العراق للمنتوجات الزراعية مثل الحنطة والشلب الى دعم تحديث طرق الإرواء من التنقيط الى النضح فالرش… إلخ ، هذا بحد ذاته سيقلل من الهدر في المياه وتقليل مياه البزل وتشجيع زراعة الخضروات والمنتوجات التي يستطيع أن يصدرها الفلاحون العراقيون الى دول الخليج بعد الاكتفاء الذاتي ، إذ يتم حاليا شراء الحنطة من المزارع العراقية بأسعار تكاد تكون ضعف الأسعار العالمية بحجة الاكتفاء الذاتي ، وهذا أمر كان مفهوماً أيام الحصار المفروض على نظام صدام ، ولكن في ضوء العجز في الخزينة العراقية وانفتاح العراق على العالم ، لم يعد هذا التقليد التسويفي مقبولاً.

6.      الى حين الاتفاق مع تركيا على موضوع المياه والطاقة …إلخ، يجب بناء سدة قاطعة في الفاو لمنع تمدد اللسان الملحي من الخليج الى البصرة ، هذه السدة ستقلل آثار شح المياه الحالية لدجلة والكارون على الجانبين العراقي والإيراني وتقلبات التغير المناخي التي يتوقع بعض الباحثين أنها ستتسبب برفع مستوى مياه الخليج بمتر أو أكثر.

7.      الوصول إلى اتفاق مع الكويت والصين لإشراك منطقة الفاو بمشروع جزيرة بوبيان لإنشاء منطقة تجارة حرة بين البلدين تحت إدارة مشتركه تستغل طاقة ميناء مبارك ، وتفتح طريق الحرير من الكويت وإيران والعراق الى أوروبا من خلال تركيا ، هذا يعني أن المرحلة الرابعة من ميناء مبارك تتزامن مع تحديث شبكات الطرق العراقية الى فيش خابور لاستيعاب الشاحنات الناقلة بين ميناء مبارك إلى أوروبا من خلال تركيا ، وإشراك منطقة الفاو في المشروع الكويتي – الصيني الذي سيقلل من أهميه بناء ميناء موازي في الفاو منافس لميناء مبارك.

8.      نقل البضائع بين الكويت وإيران من جهة ، ومن خلال العراق الى تركيا فأوروبا ، وربط الشبكات الكهربائية والاتفاق على خزن مياه لصالح العراق يحتاج الى معاهدة سياسية قد تكون صعبة إذا لم تتوافق الرؤية المشتركة سواء بين السياسيين في البلدان ، أو حتى من قبل المعارضة أو الشعوب نفسها ، ويتطلب هذا الموضوع توعية جماهيرية للفوائد الاقتصادية لسكان المنطقة ، وشفافية في التفاوض لكي يكون هنالك ثقه ودعم سياسي وجماهيري الآن وفي المستقبل.

9.      من الممكن أن يتم الاتفاق على إنشاء أنابيب ناقلة للمياه الى الكويت من شط العرب تحت الاتفاقية أعلاه ، كحافز اقتصادي ، وكذلك نقل ما يقارب من متر مكعب/الثانيه من الفرات الى نهر الأردن في أنابيب خط شركة نفط العراق الذي كان ينقل النفط العراقي عبر انبوب الـ ITAP إلى ميناء حيفا ، هكذا اتفاق قد يساهم في تقليل التشنج بين إسرائيل والفلسطينيين والأردن وحتى سوريا ، إذا أخذنا بنظر الاعتبار التصاعد في عدد سكان المنطقة.

هنالك أفكار أخرى مكملة للأفكار أعلاه ، ونكتفي بهذا القدر المقتضب الآن ، لنقول إن مشكلة المياه قد تؤدي من خلال القرار السياسي الحكيم والمفاوضات الى خلق منطقة تجارية منفتحة تشمل العراق وإيران وتركيا والكويت وحتى سوريا والسعودية والأردن ، إذا تم السعي لإيجاد هكذا اتفاق ، والذي يجب ان يكون من أولويات وزارة الموارد المائية ووزارات النفط والكهرباء والنقل والاتصالات كذلك ، ويحب ان يكون هنالك خلية عمل مشتركه تشمل الوزارات المذكورة مع وزارة الخارجية ، وتنسق بشكل مباشر مع رئيس الوزراء ، ومن خلاله البرلمان العراقي ، للمباحثات مع تركيا والكويت اولاً ، ومن ثم إيران وسوريا.

 





 
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

ساحات التحرير