اراء و أفكـار

 

الساحة لمن يملؤها ..!!

تاريخ النشر       12/03/2019 09:20 AM


عبدالزهرة محمد الهنداوي 

لم تخفِ  امانة بغداد انزعاجها من قيام احد المواطنين  بوضع لوحات دلالة في شارع محمد القاسم للمرور السريع وسط بغداد ، واحدة من هذا اللوحات تشير الى منطقة النهضة ، فيما اشارت الاخرى الى الباب الشرقي ، وكتب " المتبرع" تحت اسم الجهة المشار اليها ،عبارة "هدية الشيخ  ... الفلاني " وجاء انزعاج الامانة من هذا التصرف بوصفه تجاوزا على صلاحياتها ، فضلا عن خلوه من  اي رؤية او مسحة جمالية ، وقد تكون امانة بغداد محقة في انزعاجها هذا ، فالأمر لا يعالج بهذا النحو ، انما يجب ان يكون على وفق سياقات وقياسات مدروسة ، وان الحكومة هي المسؤولة عن تأمين مثل هذه المتطلبات ، ولكن في المقابل ، نقول ان مبادرة هذا المواطن ، بصرف النظر عن هدفها وتواضعها ، انما هي تمثل موقفا مجتمعيا وتؤسس لثقافة المشاركة الاجتماعية الايجابية في الحياة العامة ، كما انها جاءت نتيجة عدم وجود لوحات دلالة ترشد سالكي الخط السريع الى مخارج مهمة يقصدها الكثير من المواطنين ، من مختلف المحافظات ، وليس من العاصمة وحسب ، وبالتالي ، فإن هؤلاء المواطنين ، قد يظلون طريقهم ويذهبون الى مخارج اخرى تبعدهم عن مقصدهم الاساس  ، ولو كانت الجهات المعنية وفرت مثل هذه اللوحات ، لما ، استغل هذا المواطن الامر وجاء بلوحاته المتواضعة التي من المؤكد انها ستكون محمودة لدى الكثيرين ، وهذا واضح من خلال الصور والتعليقات التي حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي .. اما الامانة ، فتقول انها سبق وان وضعت مثل هذه الدلالات ، ولكنها تعرضت للسرقة !!.. وأظن ان تبريرا مثل هذا غير مقبول ، فاذا كان اللصوص الفقراء قاموا بسرقة اثاث الشوارع التي تشمل الاسيجة واللوحات والعلامات المرورية ، فليس من المنطق ان تُترك الشوارع هكذا من دون صيانة ، فان سُرقت مائة مرة ، علينا ان نعيد صيانتها  من جديد ، حتى يكف السارق عن سرقتها ، وهذا الامر لا يخص العاصمة وحدها ، بل يشمل جميع المحافظات من دون استثناء ، فاذا كان احد مواطني العاصمة قد بادر الى طبع لوحات ، تبدو "مناسبة"  الى حد ما ، فان شوارع المحافظات تخلو من مثل هذه الدلالات ، وان بادر احدهم ، فانه يستخدم قلم الماجك وقطعة من الكارتون ليكتب فيها اسم المنطقة ، ويعلقها على احد اعمدة الكهرباء !!

واعتقد ان قضية مثل هذه تمثل اهمية استثنائية لسالكي الطرق ، لاسيما الخطوط السريعة ، لأن عدم وجود مثل هذه المستلزمات من شإنها ان تسبب الكثير  من المشاكل ، لعل من بينها الحوادث المرورية التي باتت تتزايد بنحو لافت  خلال السنوات الماضية ، ونسبة كبيرة من هذه الحوادث تقع ليلا في الطرق الخارجية ، لعدم وجود انارة ، وخلو الشوارع من الخطوط البيض الجانبية والوسطية ، فضلا عن غياب لوحات الدلالة .

ومن المؤكد ان تردي واقع الطرق في العراق ، انما هو نتاج ظروف كثيرة ،من بينها ، التعامل الفض من قبل الناس مع الممتلكات العامة ، وعدم وجود رادع قوي يوقف مثل هذه الفضاضة ، اضف الى ذلك غياب عمليات الصيانة المستمرة للشوارع ، لسنوات متتالية  بسبب قلة التخصيصات المالية ، الامر الذي ادى الى تفاقم المشكلة وصعوبة معالجتها بعد ان تيسرت الامور قليلا .

ان غياب الجهد الحكومي في مفاصل مهمة  ، ومنها قطاع الطرق ،خلال فترات سابقة لأسباب امنية او اقتصادية او لأي اسباب اخرى ، ادى الى ايجاد مساحة فارغة ، دفعت اطرافا اخرى الى السعي لملئها ، وكل طرف من تلك الاطراف له اهدافه ، بعضها ايجابي وبعضها سلبي ، وفي كلتا الحالتين ، فإن غياب الجهد الحكومي ، يعد سلبيا ، لان المساحة ان لم يملؤها اصحابها ، ملأها غيرهم ، فالساحة دوما لِمَن يملؤها !! ومليء مساحة الشوارع يأتي من خلال اعادة تأهيلها بنحو جيد ، وجعل هذا الامر من اولويات الجهات المعنية ، لان الطرق تمثل مؤشرا تنمويا مهما ، يمكن من خلالها قياس مدى تقدم الدول وتطورها .






 
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

ساحات التحرير