قضايا استراتيجية

 

مركز الروابط :عن الانسحاب الامريكي وملء الفراغ في شرق سورية

تاريخ النشر       21/12/2018 12:58 PM




في خطوة مفتجئة قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سحب القوات الأمريكية من سوريا، وفي تغريدة بـ«تويتر» قال ترامب: «هزمنا (داعش) في سورية وكان ذلك السبب الوحيد لوجود قواتنا هناك أثناء فترة رئاستي». وفي وقت سابق قال مسؤولون أميركيون لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة تبحث سحب كل قواتها من سورية مع اقترابها من نهاية حملتها لاستعادة كل الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش»، كما نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول عسكري أميركي إن «إدارة ترامب قررت سحب جميع القوات الأميركية من سورية»، وكشف المصدر أن القرار اتخذ يوم الثلاثاء، وأن «سحب كل القوات الأميركية من سورية سينفذ في أسرع وقت ممكن»، وذكر أن ترامب أصر على انسحاب فوري، ورفض عرضاً لانسحاب منظم بعد فترة الوقت، لكن مصدراً في وزراة الدفاع الأميركية (بنتاغون) أكد أنها ستواصل العمل مع شركائنا في المنطقة.

وشكل قرار ترمب مفاجأة لحلفائه السوريين والإقليميين والدوليين والمسؤولين في الإدارة الأميركية من جهة، وخصوم واشنطن في سوريا والشرق الأوسط والعالم من جهة أخرى. غالباً ما كان المسؤولون الأميركيون يتركون هامشا في قراراتهم المتعلقة ببقاء القوات الأميركية شرق نهر الفرات ومنبج شمال شرقي حلب وفي قاعدة التنف في زاوية الحدود السورية – العراقية – الأردنية، لاحتمال حصول مفاجأة من الرئيس ترمب باعتباره صاحب القرار الأخير. لكن قرار أمس لم يخل من عامل المفاجأة لأنه تحدث عن «انسحاب كامل وسريع» من دون أي تنسيق مع المؤسسات العسكرية الأميركية والشركاء في التحالف الدولي ضد «داعش» والحلفاء المحليين في «قوات سوريا الديمقراطية» والإقليميين والدوليين. وتحتفظ واشنطن بنحو ألفي عسكري في شمال شرقي الفرات ينتشرون مع قوات «قسد»، وقدمت دعماً جوياً وبرياً في محاربة «داعش»، وشيدت بعض المطارات والقواعد العسكرية في مناطق شرق الفرات، إضافة إلى قاعدة التنف قرب المثلث الحدودي بين سورية والعراق والأردن.

فعلى المستوى الصحفي، انتقدت جل افتتاحيات ومقالات الرأي بالصحف الأميركية اليوم إعلان الرئيس دونالد ترامب انسحاب القوات الأميركية من سوريا باستثناء واحدة.فبينما قال مقال في نيويورك تايمز للبروفيسور جوشوا جلتسر (المدير السابق لمجلس الأمن القومي لمكافحة الإرهاب) إن الولايات المتحدة معرضة لخطر لحظة أخرى من عبارة “المهمة تمت” عندما أعلن ترامب أمس مغردا “لقد هزمنا تنظيم الدولة في سوريا الذي كان سببي الوحيد للبقاء هناك خلال رئاسة ترامب”. وعقب جلتسر بأن تنظيم الدولة لم “يُهزم” وأن مهمة أميركا في سوريا لم تكتمل تماما، مشيرا إلى الهجوم الإرهابي الأخير على سوق الكريسماس بمدينة ستراسبورغ في فرنسا الذي خلف خمسة قتلى وجرح العشرات بأنه يأتي بمثابة تذكير حي بأن تهديد التنظيم لا يزال قائما.وقال إن تجريد التنظيم من الأراضي وحتى المقاتلين لا يماثل النجاح في دحره، لأنه إذا طرد من معقل فسيعاود الظهور في مناطق أخرى، ولكن بأشكال أكثر فتكا، ولذلك “ليس هذا الوقت المناسب لإنهاء المهمة لئلا نجد أنفسنا في مواجهة خصم متجدد أشد بأسا”.”قرار الانسحاب مفاجئ وخطير ومنفصل عن أي سياق إستراتيجي أوسع أو أي سبب منطقي، وزرع شكا جديدا بشأن التزام أميركا بالشرق الأوسط واستعدادها لأن تصبح قائدا عالميا ودور ترامب كقائد أعلى
أما نيويورك تايمز اعتبرت افتتاحية الصحيفة أيضا أن قرار الانسحاب مثير للقلق وأن هذه ليست المرة الأولى التي بعثت فيها إدارة ترامب رسائل مختلطة. وأشارت في ذلك إلى ما أعلنه مستشار الأمن القومي جون بولتون قبل أقل من ثلاثة أشهر عن هدف موسع لقواته بسوريا، وأن الهدف ليس فقط هزيمة تنظيم الدولة ولكن أيضا ضمان مغادرة القوات الإيرانية للبلاد، فيما بدا وكأنه بيان موثوق من السياسة الرسمية. فالقرار مفاجئ وخطير -حسب وصف الصحيفة- ومنفصل عن أي سياق إستراتيجي أوسع أو أي سبب منطقي، وأنه زرع شكا جديدا بشأن التزام أميركا في الشرق الأوسط واستعدادها لأن تصبح قائدا عالميا ودور ترامب كقائد أعلى.

وقالت الصحيفة إن إرسال أوامر متضاربة إلى الجنود بساحة القتال -كما يفعل ترامب وإدارته الآن- لا يشوش فقط المعنويات ويقوض قوى الحلفاء مثل الأكراد السوريين، بل قد يخاطر بقتل الجنود الأميركيين أو جرحهم بسبب الأهداف التي تخلى عنها قادتهم. وأضافت أنه من المرجح أن يقلق هذا الانسحاب إسرائيل أيضا التي تشعر بالقلق من الوجود العسكري الإيراني القوي في سوريا، وكذلك الأردن التي تتحمل عبئا كبيرا من اللاجئين السوريين الذين فروا من القتال عبر الحدود.

وختمت نيويورك تايمز افتتاحيتها بالقول: من الصعب ألا نتساءل ما إذا كان ترامب قد أعلن مرة أخرى خطوة دراماتيكية كوسيلة لتحويل الانتباه عن الأخبار السيئة، المتمثلة في سيل الأحكام القانونية التي تشدد الخناق القانوني حوله. وإذا كان الأمر كذلك فسيكون هذا أسوأ سبب منطقي لزعيم كبير أقسم على حماية الأمة واحترام كل من يرتدي الزي العسكري. “ترامب يقدم بقراره هذا هدية ضخمة بمناسبة العام الجديد لكل من الرئيس بشار الأسد وتنظيم الدولة والكرملين وطهران، ويضمن أيضا التضحية بالمكاسب العسكرية الأميركية هناك ,

أما واشنطن بوست “واستهجنت واشنطن بوست -في مقالها الافتتاحي- إعلان انسحاب القوات الأميركية وعنونته “بتغريدة واحدة ترامب يدمر السياسة الأميركية بالشرق الأوسط”. وقالت إنه بقراره هذا يقدم هدية ضخمة بمناسبة العام الجديد إلى الرئيس بشار الأسد وتنظيم الدولة والكرملين وطهران، ويضمن أيضا التضحية بالمكاسب العسكرية الأميركية هناك، ويبطل أي تأثير قد يكون لدى وزير الخارجية مايك بومبيو ومبعوثه الخاص لسوريا جيمس جيفري لتحفيز تسوية دبلوماسية تلبي أهداف الإدارة نفسها لإبقاء تنظيم الدولة بعيدا.

وأضافت أن الأهم من ذلك أن يسقط ترامب في نفس الفخ الذي سقط فيه الرئيس باراك أوباما عندما سحب جميع القوات من العراق عام 2011. كما أن هذا القرار يكفل فعليا زيادة تفكك الأمن أكثر وصعود تنظيم الدولة وإيران مرة أخرى، وأن تضطر الولايات المتحدة للعودة إلى سوريا بتكلفة عسكرية أكبر وفي ظروف أقل ملاءمة مما لو بقيت هناك.

أما بلومبيرغ فقد اعتبرت “انسحاب ترامب خطأ فادحا” له عواقب وخيمة محتملة وأنه بذلك يقول للحلفاء كبيرهم وصغيرهم “يمكنكم أن تثقوا في أميركا لتخذلكم” وقالت الوكالة إنه يجب على ترامب أن يتراجع عن قراره.

 أما ناشونال إنترست كان لها رأي آخر، فقد خالفت التوجه السائد لجل الصحف الأميركية بأن “البقاء في سوريا لم يعد منطقيا” وأن مخاطر بقاء القوات الأميركية هناك كبيرة جدا وتفوق أي فوائد مرجوة.”ترامب محق في قوله بضرورة انسحاب القوات من سوريا وإن الوقت قد حان لكي يتجاوز الرئيس تدخلات واشنطن بهذا الأمر والعمل على تحقيق مصالح الجنود ووضع مصالح أميركا أولا
ناشونال إنترست” وقالت إن ترامب محق في قوله بضرورة انسحاب القوات من سوريا، وإن الوقت قد حان لكي يتجاوز الرئيس تدخلات واشنطن بهذا الأمر، والعمل على تحقيق مصالح الجنود ووضع مصالح أميركا أولا.

وهناك أدلة كثيرة في صالحه -تقول الصحيفة- منها على سبيل المثال أنه لا يوجد تهديد لأمن أميركا يبرر نشر قوة عسكرية فتاكة، لكن هناك خطرا إستراتيجيا كبيرا على أميركا بسبب الحرب الأهلية التي لا تزال مشتعلة هناك.
وعلاوة على ذلك -تقول الصحيفة- وبنفس القدر من الأهمية، لم يؤذن الكونغرس أبدا بالتدخل الأميركي. ومن المهم ملاحظة أن القوات في سوريا قد أرسلت إلى هناك أصلا من قبل إدارة أوباما لمساعدة “قوات سوريا الديمقراطية” التي يقودها الأكراد من أجل طرد تنظيم الدولة من عاصمته المزعومة “الرقة”.واعتبرت ناشونال إنترست أن المهمة انتهت بنجاح في أكتوبر/تشرين الثاني 2017، “وكان يجب بكل القوانين والشرائع إعادة نشر القوات، ولكن بدلا من إعادة القوات إلى الوطن بدا المسؤولين وكأنهم يبحثون عن شيء جديد للقوات لتفعله”.

أما على المستوى السياسي ،فإذا  كان القرار منسجما مع برنامج ترامب السياسي فإن هذا لا ينفي ارتباطه بعوامل أخرى كثيرة، خارجية وداخلية. أول هذه العوامل هو «العلاقة الخاصة» التي تربط الإدارة الأمريكية بموسكو، والتي تجسّدت، بشكل فظّ، في التدخل الروسي المباشر لصالح انتخاب ترامب في انتخابات عام 2016 الرئاسية، وإذا كان هذا التدخّل يبدو مبررا كافيا لـ«مكافأة» ترامب لروسيا رغم ما سيشكّله ذاك من إحراج سياسيّ للرئيس الأمريكي، فإن الواقعية السياسية تقتضي القول إن تلك «العلاقة» هي من طبيعة أيديولوجية، فترامب، ومعسكره الأيديولوجي، برهنوا أنهم حلفاء سياسيون طبيعيون لبوتين، وهو أمر أكدته العلاقات الوثيقة لكل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا والعالم. لا يخلو ربط الانسحاب بالضغوط التي مارسها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على ترامب من وجاهة، غير أن هذه الضغوط تراكبت مع علاقة ترامب ومعسكره «الخاصة» بالقيادة الروسيّة، وانضافت إليها الضغوط التي شكّلتها قضية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والانتصار الذي حققه الحزب الديمقراطي في الكونغرس، والذي بدأ مطاردة حقيقية لترامب في القضايا العالمية والمحلّية.

الرابحان الأساسيان الظاهران للقرار (لو تمّ تطبيقه بالسرعة التي يطلبها ترامب) سيكونان روسيا، التي بدأت حشد قوات ونقل ذخائر في دير الزور (التي تحتوي حقولا نفطية كثيرة أهمها حقلا العمر والتنك)،  وهذا ليس جديداً أن روسيا المستفيد الأول. فسياسة واشنطن قامت على أربع نقاط حيال الدور الروسي، هي: لا مانع من بقاء قوات الكرملين في بلاد الشام، لا مانع من بقاء بشار الأسد في ظل العملية السياسية التي يتقرر مصيره من خلال المسار الذي ستسلكه على رغم أن الديبلوماسية الأميركية تبقي على العديد من الأوراق التي تقود إلى رحيله بحجة الفظاعات التي ارتكبها عندما يحين الوقت، الموافقة على خطة موسكو للإبقاء على الجيش السوري العامود الفري للدولة، وأخيراً عدم ممانعة تحكم موسكو بالثروة النفطية والغازية الدفينة في سورية. ومع أن موسكو لا ترى في هذه النقاط جديداً لأنها حاصلة عليها بحكم الأمر الواقع الذي خلقته بقوتها العسكرية، فإن الأبرز في تفاهم واشنطن معها هو الحرص المشترك على أمن إسرائيل، التي تستفيد من هامش الحرية الذي يمنحها إياه هذا التفاهم لتوجيه الضربات للوجود الإيراني. التنازل الفعلي الذي يريده الكرملين من ترامب هو في أوكرانيا وأوروبا وفي العقوبات.

وتركيا التي أعلنت منذ أسبوع استعدادها لعملية كبيرة للقضاء على خصومها الأكراد شرق الفرات، ولابد أن سباقا كبيراً سيجري بين هاتين القوّتين على ملء الفراغ العسكريّ الأمريكي، وهناك بوادر أيضاً لمحاولة إيران والنظام السوري استغلال الوضع ودفع قوات نحو المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. أما الأكراد هم الخاسر الأكبر في ظل استعداد تركيا لعملية عسكرية في شرق الفرات. إذ هم من بين أكثر الأطراف القلقة من الانسحاب الأميركي إذ أنهم يشكلون العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية المعارضة التي سيطرت على نحو ربع مساحة البلاد بدعم من واشنطن. ومعلوم أن قوات سورية الديموقراطية (قسد) تعد الحليف الأكبر للولايات المتحدة في سورية، وتسيطر هذه القوات ذات الغالبية الكردية على نحو ثلث الأراضي السورية الغنية بالنفط والغاز والتي تنتج أهم المحاصيل الزراعية الاستراتيجية، مثل الحبوب والقطن.

وبانسحاب القوات الأميركية تبقى فرنسا في التحالف حيث أن لها قوات عمليات خاصة صغيرة في سوريا، وبريطانيا التي تقول وسائل الإعلام أنها نشرت سرا عددا من الجنود.وصرح رئيس وزراء بلجيكا السابق غاي فيرهوفشتات أن الانسحاب الأميركي هو نصر لروسيا وإيران وتركيا، وحلفاء تركيا والنظام السوري.وكتب على تويتر “كعادتها فإنها (الولايات المتحدة) تترك الأوروبيين في وضع أكثر صعوبة — ويظهر أنه من الخطأ تماما عدم امتلاكنا قوة دفاعية قادرة على المساعدة في إحداث الاستقرار في الدول المجاورة”، وسط دعوات تقودها فرنسا لإنشاء جيش أوروبي منفصل عن حلف شمال الأطلسي.

الأسايبع والأشهر المقبلة ستوضح ماذا ستفعل القوات الفرنسية والبريطانية والنروجية الموجودة في كنف الوجود الأميركي في سورية، وهل سيسبق الانسحاب إنهاء «داعش» أم ستُترك شوكة للاستخدام، وهل ستنسق موسكو مع واشنطن انكفاءها، وهل ستسمح لإيران أم لتركيا بملء الفراغ. وهل سيتلقف الكرملين الأكراد وقوات سورية الديموقراطية في الشمال الشرقي لحمايتهم من تركيا، وهل المقابل الذي يربحه الأميركي عودة الوئام بينه وبين الحليف التركي التقليدي، مع التداعيات على سورية الرجل المريض، الذي تتهيأ إسرائيل لسلخ الجولان منه؟ إنه انسحاب يضاعف التخبط

معمر فيصل خولي

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 






 
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

ساحات التحرير