اراء و أفكـار

 

أطلقوا سراح المنطقة الخضراء

تاريخ النشر       11/04/2018 11:33 AM


مشرق عباس

لا تستند الحكومات العراقية المتعاقبة إلى أي قاعدة قانونية تسمح لها باستقطاع عشرات الكيلومترات من قلب بغداد والمدن الأخرى، وتحويلها إلى مناطق أمنية محظورة إلا على أفراد الطبقة السياسية العراقية وعائلاتهم.

القضية لا تخص فقط أحياء كرادة مريم والتشريع والحارثية وجزءاً من القادسية التي أطلق عليها الأميركيون "المنطقة الخضراء" بعد عزلها بالأسوار الكونكريتية، بل يتعلق الأمر بمربعات أمنية كبرى استقطعت لمصلحة رئاسة الجمهورية وعدد من المسؤولين والمؤسسات والشخصيات في الجادرية والكرادة الشرقية والمسبح والمنصور واليرموك والنسور في بغداد، ومربعات أخرى تحتل أفضل المواقع وأكثرها أهمية في المدن العراقية الأخرى.

ولو كانت هذه المساحات المستقطعة بالكتل الإسمنتية تقع في أطراف مدينة كبغداد لكان في الإمكان التعامل معها، لكنها عملياً تشل العاصمة وتقطع أهم شرايينها الحيوية، وتحيل ما تبقى من شوارعها إلى جحيم من الزحامات والاختناقات المرورية.

في مثل هذه الأيام من عام 2016 قرر مئات الآلاف من المتظاهرين اقتحام أسوار المنطقة الخضراء، وقتل على أعتاب تلك الأسوار شبان بغداديون بأيدي حراسها، كما قتل طوال السنوات الماضية عشرات من شبان وشابات بغداد المحتجين وهم يحاولون عبور جسر الجمهورية للوصول إليها، وقيل دائماً، إن المتظاهرين يتجاوزون القانون، وينتهكون التعليمات، ويستحقون القتل.


لكن واقع الحال أن من حق أي مواطن عراقي الدخول إلى المنطقة الخضراء، التي تضم شوارع وأنفاقاً وجسوراً هي ملك الشعب ووضعت في الأساس ليستخدمها السكان، وأن حدود المؤسسات الحكومية والتشريعية ومنازل وقصور المسؤولين والسفارات والشركات، هي أسوار بناياتها كما هي مسجلة في الخرائط الرسمية، وليس الشوارع والممتلكات العامة.

تلك المقاربة القانونية لم يتم التصدي لها في العراق، لأن السلطات تعاملت دائماً مع أهالي بغداد والمدن الأخرى ومعاناتهم والتضييق عليهم كحق من حقوقها، ولأن المسؤولين اعتبروا أن أمنهم أكثر أهمية من أمن أطفال العراق ونسائه وشيوخه وشبابه.

منازل الرؤساء من مواطني الدرجة الأولى العراقيين، تبعد ما بين 10 إلى 20 كيلومتراً عن أقرب شارع يحق للمواطن من التسلسلات المتدنية الوقوف فيه، يسبقه في ذلك مواطنون يمتلكون بطاقات تجاوز الأسوار تصنّف بألوان وفق أهميتهم، من السوداء إلى الزرقاء إلى الحمراء والبيضاء.

بعد 15 عاماً من الاحتلال الأميركي، ليس من حق مسؤول أن يطالب العراقيين بالمزيد من الصبر على الكانتون العنصري الذي يتجذّر في قلب عاصمتهم، ولا من حقه مطالبتهم بالرضوخ لتعليمات ليس لها سند قانوني، تقطع أي شارع وأي جسر وأي مساحة حق عام في المدن.

ولأن العراق يمر اليوم بمرحلة الانتخابات، فمن الضروري أن يطرح موضوع المناطق الأمنية على التصويت، وأن يكون معياراً من معايير الانتخاب، وأن يدخل في صميم برامج المرشحين، فليس من المعقول أن يكون كل إنجاز الانتخابات العراقية هو نقل مغمورين من مناطق الدرجة الثالثة إلى المربعات الأمنية!.

يحتاج العراق في المرحلة المقبلة إلى حكومة تقرر أن على كل مسؤول خائف أن يبني حول منزله جداراً يصل إلى السحاب، ويعين حراساً لحماية أطفاله، ولا يستولي على شارع من حق الناس ولا يضيق على حياتهم، ويحتاج إلى نخب تقرر أن الوقت حان لرفع دعاوى قضائية لإجبار المسؤولين المستولين على الشوارع والساحات في بغداد والمحافظات على إخلائها، قبل مطالبة سكان العشوائيات من الفقراء بذلك.

تعايش العراقيون مع الموت في الشوارع لسنوات طويلة، تكيفوا معه وتكيف معهم، وحان الوقت أن تُجبر الطبقة السياسية التي لا تتوقف عن التباكي على مصير الناس وتستثمر في دمائهم، أن تتكيف بدورها مع مخاطر العيش داخل العراق، أو تغادره.

إذا امتلك الزعماء المتبارون على صناديق الاقتراع اليوم ما يكفي من شجاعة المواطنة، فإن عليهم إعلان موقفهم من المربعات الأمنية التي تخنق بغداد والمدن الأخرى وتستولي على دجلة والفرات معاً، والتعهد بإعادتها إلى السكان كحق قانوني أصيل تم سلبه منهم لسنوات، حينها يمكن أن نخلق جيلاً سياسياً جديداً أقل اغتراباً عن جمهوره.

http://www.alhayat.com/m/opinion/28691423#sthash.HVmnCUW6.dpbs




   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

ساحات التحرير