اراء و أفكـار

 

القوى الوطنية العراقية.. وإدارة ترامب

تاريخ النشر       16/04/2017 01:06 PM



أجواء ربيعية “ترامبية” متعثرة لا يمكن التنبؤ بتحسنها أو اضطرابها، هل ستعود بنا إلى شتاء كئيب أو تذهب بنا إلى ربيع جديد في المنطقة بنكهة ترامبية” هذه المرة.
مع قدوم الإدارة الأمريكية الجديدة وما سبقها من تصريحات تبناها الرئيس دونالد ترامب خلال الفترة الانتخابية، بدأنا نلحظ مشتركات قوية لم تكن في السابق يمكن البناء عليها إذا ما تم استغلالها وتوظيفها من خلال خطاب يناغم العقل الترامبي بشكل خاص والعقل الأمريكي بشكل عام.
إن أول هذه المشتركات تتلخص بأن الإدارتين السابقتين (بوش وأوباما) قامتا بقرارات أساءت إلى أمريكا في العراق خاصة وإلى مصالحها في المنطقة بشكل عام، وهذا ما صرح به الرئيس ترامب عدة مرات متبنيا نهج إصلاح هذه الأخطاء، يضاف إلى ذلك خيبة أمل يعيشها اليوم جنرالات الجيش الكوني الأمريكي بعدما شعروا أن دماء الأمريكيين وضرائبهم ذهبت سدى في العراق، وأن المنطقة أصبحت تحت سيطرة قوى أخرى تشاركهم فيها، قد تكون “روسيا” أحد أهم هذه القوى وهي صاحبة العداء الاستراتيجي للولايات المتحدة التي لم تستطع لملمة سمعة انتصاراتها أمام جنودها وعوائلهم، فضلا عن تهديدات إيراني والمنظمات التابعة لها والتي تطال حلفاءها في المنطقة (دول الخليج العربي) إضافة إلى إرهاب داعش، لتكون النتيجة بعد 14 عاما من إعلان الحرب على العراق تحت شعار العالم سيصبح أكثر أمنا”، أن العالم أصبح أكثر خوفا

وبلغة المصالح صرح الرئيس ترامب بأن الخزانة الأمريكية لم تستفد شيئا من هذه الحرب بل فرطت بحقوقها وبأصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة الذين باتوا خائفين من تكرار النموذج العراقي وتوسعه ومن تهديدات إيرانية أو إرهابية.
الجانب المشترك الثاني وهو شعار “الحرب على الإرهاب”، هذا إذا ما تم توظيفه بشكل صحيح فهو سيكون منقذا للقوى الوطنية وأحد سبل التغيير المنشود في إعادة العراق والمنطقة إلى عافيتها، خاصة وأن عوامل نجاح هذا الخطاب متوفرة الآن أكثر من أي وقت مضى وهي كالتالي:
داخليا، فإن الشعب العراقي وجزء من ساسة العملية السياسية أصبحوا على يقين بأن الطائفية هي سبب خراب البلد، ولم ينتصر أحد لمظلوميته بل الجميع مظلوم وبنسب متفاوتة، وأن سبب التطرف هو من ولّد الإرهاب في كل مكونات الشعب العراقي، وأن العملية السياسية والدستور ومفوضية الانتخابات وعمليات المصالحة بكل محاولاتها والإصلاح بكل حملاته والمعارضة داخل العملية السياسية كلها لم تستطع حل شباك العقد في هيكلية العملية السياسية بعد 2003، بل إن شباب التنسيقيات والناشطين على يقين تام بأن الأمر متعلق بقرار دولي تجاه هذا البلد.
إقليميا، فقد كان استشعار التهديدات متفاوت بين سبّاق ومبكر كالمملكة الأردنية الهاشمية وبين متأخر جدا كالمملكة العربية السعودية التي تأخرت في التحرك في مواجهة المشروع الإيراني أو الإرهاب خارج حدودها، والذي قد يتناثر شرره من العراق وسورية إلى دول الجوار أو أبعد من ذلك بكثير، في محاولة من المملكة السعودية لاستدراك السنين الماضية التي تمددت فيها المشاريع الأخرى دون مشروع مضاد يحمي الأمن القومي للمنطقة.
العامل الثالث هو الأوروبي، حيث تعيش أوروبا انعكاسا واضحا لما تمر به المنطقة من تهديدات تتمثل في موجة اللاجئين المحملين بمشاكل بلدانهم، والإرهاب الذي عبر الأبيض المتوسط لينتشر في عواصم ومدن رئيسية من جنوب أوروبا إلى أقصى شمالها، والصعود السريع للحركات السياسية اليمينية ليضع شعوب الاتحاد الأوروبي بين نقيضين “العنصرية أو المدنية”، ليصبح من الواجب التحرك لوضع حلول فعلية لما يمر به العراق والمنطقة.
هذ العوامل الثلاثة تراكمت وكبرت خلال الإدارتين السابقتين، ومع التدخل الروسي الملحوظ في الفترة الأخيرة في ملفات عدة (سوريا ومصر وليبيا) واتهاماته بمحاولة التلاعب بنتائج الانتخابات الأمريكية والفرنسية، زاد في تعقيد الأمور في العراق والمنطقة وفي ثقلها، لينظر العالم لها كأن الحرب العالمية الثالثة قد دقت طبولها فعلا، بل إن هناك من يدعو لها من أبناء العراق بعد أن وصلت الأوجاع إلى حد يرحب فيه بالتدخل الجراحي مهما كان الثمن وكيفما كانت النتيجة.
بالرغم من هذا كله فإن “الإدارة الترامبية” ليست بالكلاسيكية، كما لا يمكن لأي خبير التنبؤ ما هي الخطوة القادمة لترامب، فنلاحظ تخبط المحللين والمشاعر والأحلام التي تفيض بها مواقع التواصل الاجتماعي لما يودون تحقيقه في محاولة لجبر الروح التي كُسرت خلال 14 سنة من الاحتلال وآثاره.

وهنا للأسف، قد يصل هذا النشاط الذي يدعى بالعمل الوطني إلى مراتب الجهاد أحيانا في وصفه، فلا يصب في طابع عملي فاعل بل في بعض الأحيان يكون مكبلا في خيالهم، علما أن الكثير منهم لديه كل عوامل النجاح في العمل التنفيذي لما يمتلكوه من تاريخ أو كوادر وأموال ووسائل إعلام، إلا أنها لم توظف فعليا حتى الآن في تكوين نواة مؤثرة في القرار الدولي.
لم يتم استغلال هذه العوامل بشكل مثمر وهادف إلا مؤخرا بعدما أدرك الجميع بأن لا جدوى لأي حل عراقي خالص أو إقليمي واسع إلا بوجود العامل الدولي لتوظيف هذه المعطيات ووضعها أمام صناع القرار الأمريكي في مجلس الشيوخ والكونغرس بخطاب يناغم العقل الأمريكي وبما يحمله من ثوابت وطنية مع الحفاظ على مبدأ المصالح المشتركة في مسعى لتغيير قناعات الأعضاء وصولا إلى الإدارة التنفيذية الأمريكية، التي لم تسمع سابقا خلال إدارتي بوش وأوباما لأي جانب عراقي سوى الجهة الرسمية المتمثلة بالحكومة العراقية المنتخبة على حد تعبيرها، كما أن الأوضاع على مدى 14 سنة لم تكن بهذا التعقيد والتي جُربت فيها كل الأخطاء والترقيعات لتصل الآن إلى طريق مسدود، فأصبح ساسة العملية السياسية ومنظروها أو ممن يؤمن بأن التغيير يمر عبر العملية السياسية الحالية يبحثون عن لبوس آخر غير التمييز الطائفي أو العرقي أو الديني أو العشائري والتي فشلت جميعها في الاستمرار وتكوين أي حالة إيجابية، ليركبوا اليوم قارب النجاة الأصيل وهو الوطنية والمدنية والمواطنة في إطار إعادة تدويرهم في أدوار جديدة.
اللافت أيضا أن الساحة الأمريكية كانت منذ ثلاثة عقود أو أكثر “عذراء” من أي قوى مؤثرة في القرار السياسي الدولي تُجاه العراق، واقتصرت النشاطات على تجميع رأي شعبي ومظاهرات لا تمت بصلة إلى حداثة الدهاء والنفوذ والتميز التي تتمتع بها أقوى وأشهر لوبيات التأثير في الساحة الأمريكية وهي الإيراني والكردي والإسرائيلي.
القوى الوطنية العراقية أو معارضو العملية السياسية منقسمون إلى متطرفي الوطنية أو المثاليين أو الطائفيين أو قيادة العامة للسيطرة النوعية للأداء السياسي ممن أصبحوا مستشارين نتيجة عملهم السابق منذ فترة الملكية وصولا إلى يومنا الحاضر، أو ممن يعيش فترة كلاسيكيات السياسة الثورية والحركات الوطنية الخالصة الذين لم يعوا إلى الآن كيفية إدارة العالم في حاضرنا ومتغيراته، أو مثبطين مستسلمين إلى واقع مُر طرق على حديدهم إلى أن أصبح عجينا.
إن العالم السياسي والاقتصادي اليوم، ليس قطباً واحداً بل تحول إلى محاور قوى دولية تتحارب فيما بيناها بكل الوسائل التقليدية وغيرها من حراب الاقتصاد الحديث واستخدام الأيدولوجيات وغزو العقول والإعلام والفوضى الخلاقة وغيرها، وهذا ما يجب أن تعيه القوى الوطنية في تطبيقاتها العملية الواقعية، واستذكارا لأحد تعاريف “السياسة” فهي “فن قراءة الواقع” ومن لا يقرأ الواقع لا سياسة له، مع التأكيد على أن السياسة “فن الممكن” وتحت هذا التعريف نعقد آمالا لمن يعمل ضمن الواقع ويتعامل معه لإيجاد سبل حل قابلة للتطبيق ولا يعني ذلك التنازل عن الثوابت الوطنية.
إن تكوين قرار دولي ينتج من مؤتمر دولي وبضمانات مجلس الأمن والدول العظمى يفرض واقعا جديدا في العراق والمنطقة، هو فرصة حقيقة الآن يمكن تحقيقها بصورة إيجابية مستغلين عوامل بنائه أعلاه وبخطاب غربي حديث يحقق مصالح الجميع، فالعالم اليوم هو أحوج ما يكون إلى وضع لمسات مفاهيم حقيقية لسياسيات المنطقة للقرن القادم، لتكوين سايكس بيكو ترامبي جديد.
فلتكن جهودنا صوب تحقيق أقصى مراتب الإيجابية والوطنية في صناعة القرار الدولي، واضعين أمام أعيننا كل دماء ضحايانا وصيحات الأرامل وجوع الأيتام وشرف المغتصبات وجذور العراق الأصيلة من فسيفساء مكوناته قارئين التاريخ الذي يقر يقينا بأنه “لا يصح إلا الصحيح” والتي تطابق الفطرة الإنسانية العراقية المتمثلة بالسلم المجتمعي ليعود العراق إلى عافيته التي عرف بها عبر تاريخه


بقلم : ليث الكبيسي.





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed By altahreernews.com

ساحات التحرير