ثقافة

 

عن الفنان الراحل طارق الشبلي

تاريخ النشر       18/03/2014 10:01 AM


حميد العقابي*
رحل اليوم فنان بصريّ قدّم للأغنية العراقية الكثير، لكنه لم يأخذ حقه من الشهرة والإهتمام كبقية زملائه الفنانين، حتى لا يكاد يُذكر حينما يجري الحديث عن الأغنية السبعينية والتي يعتبرها المهتمون بالفن الغنائي المرحلة الذهبية للأغنية العراقية، وأنا أرى العكس تماماً، بل لا أبالغ إذا قلت إن الأغنية السبعينية شكّلت انتكاسة كبيرة في تأريخ الأغنية العراقية وساهمت بشكل ( قد لا يلحظه البعض ) في تكريس الخراب في المجتمع العراقي.

الراحل طارق الشبلي ( تصوير وليد هرمز)

نعم.. ظهرت في هذه الفترة أصوات ومواهب طموحة حاولت أن تجدد في الأغنية العراقية وأحدثت تطوراً ملحوظاً إلا أن هذا التطور كان آنياً حمل بذور انتكاسته ونكوصه في داخله، فلو نظرنا إلى الأغنية العراقية خلال مرحلة الستينات والخمسينات سنجدها تمتدّ على خارطة العراق من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه ومن شرقه إلى غربه وبتنوع جميل يعكس بصدقٍ تنوع المجتمع العراقي، وعلى الرغم من التسميات السائدة آنذاك ( الأغنية البغدادية، الأغنية الريفية، الأغنية البدوية )، إلا أن هذا التنوع لم يشكّل تنافراً في الذائقة العراقية، بل على العكس كان متفاعلاً وموحداً للذائقة الجمعية، خاصة وأن ما كان يُطلق عليه الغناء الريفي لا يمثل تخلفاً حضارياً عن غناء المدينة، بل قياساً إلى الأغنية السبعينية نجده أكثر تحضراً مما شاع في هذه الفترة على يد فنانين درسوا الفن أكاديمياً وكانوا يظنون أنهم يسعون إلى تمدين الأغنية الريفية، فلو قارنّا بين غناء داخل حسن كممثل للأغنية الريفية وحسين نعمة أو فاضل عواد أو رياض أحمد لوجدنا أن الأول أكثر تمدناً من الآخرين :
داخل حسن :
بالك تعوده ... الماضي خلّه يروح
وصّل حدوده... صبر الصبرته وياك
أو :
يا قلبُ مهلاً على ما كنتَ تهواه
ولم أكن ظالماً استغفرُ الله

حسين نعمة :
صوابك بالجبود الجلاوي ليش ممرودات
يبه يا يبه يا يبه
أووووووووووووووووووووووو

فاضل عواد :
تريد مني التفاح ومنين أجيب التفاح

سعدون جابر :
أحّا يا ديرة هلي
أحّا يا ريحة هلي
أحّا.. أحّا.. احااااااااااااااااااااا

ياس خضر :
ولك يا ريل لا تكعر
.... الخ

ما حدث في السبعينات أن الفنانين الشباب الذين حاولوا تطوير الأغنية العراقية أهملوا الجانب المهم في الأغنية الستينية وهو التنوع الجغرافي واتخذوا من الغناء الريفي وحده منطلقاً لهم، ولم يكونوا على مستوى من الوعي في إيصال رسالة الأغنية المتمثلة في رفع ذائقة المستمعين. ساهم في هذا الأمر عاملان أولهما ( مصادفة ) هو انتماء أغلب الفنانين السبعينيين إلى ريف مدينة عراقية واحدة، وثانيهما ( ليس مصادفة ) وهو الخطة الخبيثة التي اتبعها نظام البعث في العراق المتمثلة بسعيه إلى ترييف المدينة العراقية أو نشر البداوة لكون أغلب ( أو كل ) رموز النظام العراقي ينتمون إلى الريف أو البادية. وبهذا طردوا من الساحة الغنائية كل الفنانين الذين لا ينتمون إلى بيئتهم فسادت الأغنية الريفية بكل عيوبها، من الصوت الباكي المتحشرج إلى نشر حالة الغربة التي حملها الريفي معه إلى بغداد الناهضة بعلاقاتها الإجتماعية الماضية بخطى طبيعية في تكريس نهضة إجتماعية في المجتمع العراقي، فلم نعد نسمع شعر البهاء زهير أو سيف الدين ولائي أو محمد هاشم إذ حل محلهم كتّاب أغنية لم تتعدَ ثقافاتهم المراثي الحسينية ونواح المآتم.

مجيد العلي، طالب غالي، طارق الشبلي ( الراحل )، سيتا هاكوبيان، أبو سرحان، علي العضب... فنانون من البصرة، المدينة الغنية بتراثها المتشكل من تلاقح ثقافات مختلفة لم يجدوا مكاناً لهم في ساحة الغناء، فانسحبوا إلى مدينتهم مسجلين حضوراً خجولاً متمثلاً بتقديم أغانٍ تسعى إلى الحفاظ على الأغنية البصرية وسط زعيق الغناء الريفي ـ البدوي الذي ساد بشكلٍ مرضيّ ساهمَ في إفساد الذائقة العراقية.
 
* شاعر وكاتب عراقي مقيم في الدانمارك والمقال من صفحته على الفيسبوك




 
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

ساحات التحرير